‏إظهار الرسائل ذات التسميات القرآن الكريم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات القرآن الكريم. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 25 أكتوبر 2009

من مفردات القرآن : الرؤيـــــا (2)

من مفردات القرآن : الرؤيـــــا (2) بقلم فضيلة الشيخ : جميل غازي - رحمه الله -
**************
7- هل تتحقق الرؤيا فورًا :
ليس حتمًا أن تحقق "الرؤيا الصادقة" فور رؤيتها ؛ بل قد يتأخر تحققها إلى أمد بعيد .فهذه رؤيا يوسف لم تتحقق إلا بعد عشرات السنين ، وبعد جهاد طويل خاصة يوسف عليه السلام .
8- المبشرات :
والمبشرات هي " الرؤيا الصالحة" كما جاء في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري : " لم يبق من النبوة إلا المبشرات ، قالوا : وما المبشرات ؟ قال : الرؤيا الصالحة " .
وليس معنى هذا أن كل رؤيا صادقة تعبر بشارة ، بل قد تكون - أحيانًا - نذارة .
يقول القرطبي - (( التفسير )) (ج9 ص127) -: وهذا الحديث بظاهره يدل على أن الرؤيا بشرى على الإطلاق ، وليس كذلك ، فإن الرؤيا الصادقة قد تكون منذرة من قبل الله تعالى لا تسر رائيها ، وإنما يريد الله تعالى المؤمن رفقًا به ورحمة ليستعد لنزول البلاء قبل وقوعه .
ولعل البشرى المشار إليها في قوله تعالى : { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ . لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا } هي : الرؤيا الصالحة يرونها أو ترى لهم .
9- رؤيا الكافر :
وقد تصدق رؤيا الكافر ، ولا تكون حينئذ من المبشرات ، وإنما تكون إنذارًا له أو لغيره أو وعظًا - كما في رؤيا ملك مصر ، رجع الفصل لابن حزم (ج5 ص19) .
10- تعدد الأحلام في النومة الواحدة :
ويمكن للإنسان أن يرى أكثر من حلم أو رؤيا في ليلة واحدة ونومة واحدة كما حدث لملك مصر .
11- الرؤيا والنبوة :
أخرج البخاري في كتاب التعبير "باب رؤيا الصالحين" عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال : "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة " .
فما معنى هذا ؟
وهل يفيد هذا الحديث ... أن حقيقة الرؤيا الصادقة كحقيقة النبوة ؟
يقول ابن خلدون - مجيبًا على هذه التساؤلات وغيرها -: "وما ذهب إليه بعضهم في رواية ( ستة وأربعين ) من أن الوحي كان في مبتدئه بالرؤيا ستة أشهر - وهي نصف سنة - ومدة النبوة كلها بمكة والمدينة ثلاثة وعشرون سنة ، فنصف السنة منها جزء من ستة وأربعين - فكلام بعيد عن التحقيق ، لأنه إنما وقع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، ومن أين لنا أن هذه المدة وقعت لغيره من الأنبياء " ؟
ثم يقول :" إن ذلك إنما يعطي نسبة زمن الرؤيا من زمن النبوة ، ولا يعطي نسبة حقيقتها من حقيقة النبوة " .
( وهناك رأي آخر يبديه صاحب كتاب مؤتمر تفسير سورة يوسف ( ج1 ص177 ) مؤداه أن كون الرؤيا الصادقة جزءًا مما ذكر إنما هو باعتبار صدقها لا غير ، وإلا لساغ لصاحبها أن يسمي نبيًّا ، وليس كذلك .
12- رؤي الأنبياء ورؤي غيرهم :
والفرق كبير بين رؤي الأنبياء ، ورؤي غيرهم ، فرؤي الأنبياء لا تكذب أبدًا ، بل هي صادقة دائمًا ، أما رؤي غيرهم فقد تصدق وقد تكذب .
ولا يحكم على رؤيا يراها الناس بالصدق إلا بعد ظهور صدقها ، أما قبل ذلك : فلا بخلاف رؤي الأنبياء فإنها وحي مقطوع بصحته .
فمثلاً - رؤيا إبراهيم عليه السلام - لو رآها غير نبي لما كان له أن ينفذها ، أو يهم بتنفيذها .
ولو فعل لكان فاسقًا أو عابثًا أو مجنونًا .
13- رؤي الأنبياء .. والرمزية :
أحيانًا تكون رؤي الأنبياء من قبيل الرمز والتمثيل والمجاز والاستعارة كما في آية الأنفال ، وكما في كثير من رؤي النبي صلى الله عليه وسلم التي روتها كتب السنة .
- "رأيت سوداء ثائرة الرأس تخرج من المدينة إلى مهيعة - ( المهيعة هي الجحفة ميقات أهل المدينة ) - فأولتها بالحمى " .
- "رأيت سيفي قد انقطع صدره ، وبقرًا تنحر ، فأولتها برجل من أهل بيتي يقتل ، والبقر نفر من أصحابي يقتلون" .
- " رأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة ، فأولتها المدينة " .
- " رأيت في يدي سوارين فنفختها فطارا ، فأولتهما كذابين يخرجان بعدي " .
14- هل يثبت بالرؤيا حكم شرعي ؟
والرؤيا المنامية - ولو كانت صحيحة وحقًا - لا يثبت بها حكم شرعي ، فلا تحرم الحلال ، ولا تحلل الحرام . ( مؤتمر تفسير سورة يوسف المعملي ج1 ص180 ) .
ويقول علاّمة الشام محمد ناصر الدين الألباني - (( سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة المجلد الأول ج5 ص67 )) - :
" ومن المقرر عند العلماء أن الرؤيا لا يثبت بها حكم شرعي ، فبالأولى لا يثبت بها حديث نبوي ، والحديث هو أصل الأحكام بعد القرآن " .
15- حديث : " من رآني في المنام فقد رآني " .
وأما حديث : "من رآني في المنام فقد رآني ، فإن الشيطان لا يتمثل بي " فقد قال فيه صاحب "تحفة الأحوذي" (ج3 ص239) : "المراد به إذا رآه على صفته المعروفة في حياته ، فإن رأى على خلافها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة " .
قال : "وقد ذهب إلى هذا جماعة ، فقالوا : في الحديث أن محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي كان عليها ، ومنهم من ضيق الغرض من ذلك حتى قال : لا بد أن يراه على صورته التي قبض عليها حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة " !!
ثم يقول : " قال الحافظ : والصواب التعميم في جميع حالاته بشرط أن تكون صورته الحقيقة في وقت ما سواء كان في شبابه ورجولته وكهولته وآخر عمره" .
ويقول القرطبي : "اختلف في معنى الحديث ، فقال قوم من القاصرين : هو على ظاهره ، فمن رآه في النوم رأى حقيقته كما يرى في اليقظة ، وهو قول يدرك فساده ببادئ العقل ، إذ يلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها ، وأن لا يراه اثنان في وقت واحد في مكانين ، وأن يحيا الآن ويخرج من قبره ويخاطب الناس ، ويخلو قبره عنه فيزار غير جثته ، ويسلم على غائب لأنه يرى ليلاً ونهارًا على اتصال الأوقات ، وهذه حالات لا يقول بالتزامها من له أدنى مسكة من عقل وملتزم ذلك مختل مخبول .

من مفردات القرآن : الرؤيـــــا

من مفردات القرآن : الرؤيـــــا

بقلم فضيلة الشيخ : جميل غازي - رحمه الله -

{ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ .قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ . وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَآ عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [ يوسف : 4- 6 ] .

{ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا } [ يوسف : 100 ] .

تحدث القرآن الكريم في آياته المحكمات عن مجموعة من الرؤى :

- ففي (( سورة الأنفال )) : { إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ } [ الأنفال : 43 ] .

- وفي (( سورة الإسراء )) : { وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ } [ الإسراء : 60 ] .

- وفي (( سورة الصافات )) : { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ .فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْصَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } [ الصافات : 103- 105 ] .

- وفي (( سورة الفتح )) : { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا } [ الفتح : 27 ] .

- أما في سورة يوسف فنلتقي بخمسة رؤى :

الرؤيا الأولى : رؤيا يوسف : { يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } [ يوسف : 4 ] .

الرؤيا الثانية : رؤيا ساقي الملك : { إني أراني أعصر خمرًا } [ يوسف: 36 ] .

الرؤيا الثالثة : رؤيا خباز الملك : { إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ } [ يوسف : 36 ] .

الرؤيا الرابعة : رؤيا الملك الأولى : { إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ } [ يوسف : 43 ] .

الرؤيا الخامسة : رؤيا الملك الثانية : { وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات } [ يوسف : 43 ] .

ولما كان الحديث عن (( الرؤيا )) يثير عدة تساؤلات ، فقد آثرت أن أستعرض في هذا المقال نماذج من تلك التساؤلات ، ثم أتناولها بالإجابة بقدر ما يوقف اللَّه ويعين .

تساؤلات :

- لماذا سميت الرؤيا : رؤيا ؟

- وما معنى الحلم ؟ وما هي أضغاث الأحام ؟

- وما معنى (( تعبير الرؤيا )) ؟

- وما هي أنواع الرؤيا ، وهل رأى علماء النفس في الرؤيا صحيح .

- وماذا يفعل الإنسان إذا رأى ما يحب ، أو ما يكره ؟

- وهل تتحقق الرؤيا الصادقة فورًا ؟

- وما هي المبشرات ؟

- وهل يمكن أن تتحقق رؤيا الكافر ؟

- وهل يمكن أن يرى الإنسان في منامه حلمين في ليلة واحدة في نومة واحدة ؟

- وما معنى كون الرؤيا الصادقة جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة ؟

- وما الفرق بين رؤيا الأنبياء ، ورؤيا غيرهم ؟

- وإذا كانت رؤيا الأنبياء حقًا ، فلماذا أرى اللَّه نبيه جيش المشركين في بدر قليلاً ، وهي يومئذ كثير ؟

- وهل يثبت بالرؤيا حكم شرعي ؟

- ثم ... ما تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم : (( من رآني في المنام فقد رآني ، فإن الشيطان لا يتمثل بي )) ؟

1- الرؤيا :

سميت (( رؤيا )) - بالألف - لأنها عبارة عما يرى في النوم ، كما أن (( الرؤية )) - بالتاء - اسم لما يرى في اليقظة ، فهما : (( كالقربة )) و(( القربى )) وفرق بينهما للتميز .

ثم .. أنه قلما يحلم الإنسان حلمًا تحتوي مادته على لغة وكلام ، وإنما الأكثر يرى الحلم ولا يسمع كلامًا .. كما في رؤى (( سورة يوسف )) كلها .. ولذلك اشتق (( للرؤيا )) اسم فيه معنى (( الإبصار )) لا (( يسمع )) .

2- الحلم :

الحلم - بضم الحاء وسكون اللام ، وقيل : بضمها -: ما يرى في المنام من الخيالات الفاسدة ، قال القسطلاني : وإضافة (( الحلم )) إلى الشيطان لكونه على هواه ومراده ، وأما إضافة (( الرؤيا ))

- وهي : اسم للمرئي المحبوب - إلى اللَّه تعالى ، فإضافة تشريف ، وظاهره أن المضاف إلى اللَّه تعالى لا يقال : حلم ، والمضاف إلى الشيطان لا يقال له : رؤيا وهو تصرف شرعي ، وإلا فالكل يسمى : رؤيا .

3- أضغاث الأحلام :

وأضغاث الأحلام : تخاليطها وأباطيلها ، وما يكون منها من حديث نفس ، أو وسوسة شيطان ، وأصل الأضغاث : ما جمع من أخلاط النبات ، الواحد : ضغث ، فاستعيرت لذلك ، والإضافة بمعنى (( من )) أي : أضغاث من أحلام .

4- تعبير الرؤيا :

تعبير الرؤيا : ذكر عاقبتها ، وآخر أمرها ، كما تقول : عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه ، وهو عبره .

ونحوه : (( أولت الرؤيا )) إذا ذكرت مآلها ومرجعها .

ولم يذكر في القرآن الكريم لفظ التعبير إلا مرة واحدة في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } [ يوسف : 43 ] .

5- أنواع الرؤيا :

وللرؤيا أنوع كثيرة ذكر منها ابن حزم - (( الفصل في الملل والفصلي في الملل والأهواء والنحل ج5 ص19 )) أربعة :

- ما يكون من قبل الشيطان ، وهو ما كان من الأضغاث والتخليط الذي لا ينضبط .

- ما يكون من حديث النفس ، وهو : ما يشتغل به المرء في اليقظة فيراه في النوم من خوف عدو ، أو لقاء حبيب ، أو خلاص من خوف أو نحو ذلك .

- ما يكون من غلبة الطبع .

- ما يريه اللَّه عز وجل نفس الحالم إذا صفت من أكدار الحسد وتخلصت من الأفكار السيئة .

و(( علم النفس )) الحديث يتفق مع ابن حزم في النوعين : الثاني والثالث ، ويخالفه في الأول والرابع ؛ لأنهما يستندان إلى أمر (( غيبي )) والغيبية مرفوضة في بحوث علم النفس !!

وقد وقع علم النفس وعلماؤه في حيرة بسبب رفض هذين النوعين !!

إذ كيف يمكن تفسير الرؤى الصادقة ، التي تحقق في عالم الواقع ، وفق قواعد علم النفس ومقرراته ؟!

ماذا يفعل من رأى ما يحب ؟

وماذا يفعل من رأى ما يكره ؟

أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من حديث أبي قتادة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال : (( الرؤيا الصالحة من اللَّه ، والحلم السوء من الشيطان ، فمن رأى رؤيا يكره منها شيئًا فلينفث عن يساره وليتعوذ باللَّه من الشيطان فإنها لا تضره ، ولا يخبر بها أحدًا ، فإن رأى رؤيا حسنة فليستبشر ولا يخبر بها إلا من يحب )) .

وأخرج مسلم وأبو داود من حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم : (( أمر من رأى ما يكره أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه ، وأمره أن يصلي )) .

فالرسول صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثين ، يأمر من رأى ما يكره بخمسة أشياء :

1- أن ينفث عن يساره .

2- أن يستعيذ باللَّه من الشيطان .

3- أن لا يخبر بها أحد .

4- أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه .

5- أن يقوم إلى الصلاة .

[ (( زاد المعاد في هدي خير العباد )) لابن القيم ج2 ص92 ].

ويأمر من رأى ما يحب بشيئين :

1- أن يستبشر .

2- أن لا يخبر بها إلا من يحب .

وقد قال مالك رضي اللَّه عنه : لا يعبر الرؤيا إلا من يحسنها ، فإن رأى خيرًا أخبر به ، وإن رأى مكروهًا فليقل خيرًا أو ليصمت . ( يتبع ) .

الأربعاء، 21 أكتوبر 2009

من مفردات القرآن الكريم : "الحمد للَّه" 2

من مفردات القرآن الكريم : "الحمد للَّه" 2 بقلم فضيلة الشيخ : محمد جميل غازي - رحمه الله - رئيس قسم التراث العربي بالمجلس الأعلى للفنون والآداب سابقاً والرئيس الأسبق لجمعية العزيز بالله **********
{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ .الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ .مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ .اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ .صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ‏ } [ سورة الفاتحة ] .
تحدثت - في مقال سابق - عن مادة (( الحمد )) في القرآن الكريم ، وعن معناها ، ومرات ورودها ، والسور التي افتتحت واختتمت بها .
واليوم ؛ نلتقي حول (( سورة الحمد )) نتأمل وجهها الكريم ، ونقتبس من آياتها الحكمة ، ونلتمس من معانيها الموعظة .
و(( سورة الحمد )) سورة جامعة لأبواب الخير ، مرشدة لأصول البر ...
فقد جاء مأثورًا عن الحسن البصري - فيما يرويه عن ابن ماجه وغيره ؛ (( أن اللَّه أنزل مائة كتاب وأربعة كتب . جمع علمها في الأربعة ، وجمع علم الأربعة في القرآن ، وجمع علم القرآن في المفصل وجمع علم المفصل في أمر القرآن ، وجمع علم أم القرآن في هاتين الكلمتين الجامعتين : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } . [ج 13 من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ص 7 . ] .
وهي سورة ذات أسماء كثيرة - منها :الحمد ، والصلاة ، والفاتحة ، وأم الكتاب ، وأم القرآن والمثاني .
قال تعالى : { الحمد لله } .
ولم يذكر سبحانه لحمده (( ظرفًا مكانيًا )) ، ولا (( زمانيا )) .وذكر في (( سورة الروم )) أن من ظروفه المكانية : (( السموات والأرض )) ، حيث يقول : { وله الحمد في السموات والأرض } [ الروم : 18 ] .
كما ذكر في (( سورة القصص )) أن من ظروفه الزمانية : (( الدنيا والآخرة )) . [ أضوء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للعلامة محمد الأمين الشقنطي ] .
حيث يقول : { وَهُوَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ } [ القصص : 70 ] .
والألف واللام - في قوله : { الحمد } . لاستغراق جميع المحامد في جميع الظروف والأحوال : وعلى جميع النعم جليلها وخفيها .
و { الحمد لله } كلمة لها فضلها وأجرها : ولذلك افتتح الله بها كتابه ، وأمر بها أحبابه ، فقد روى مسلم عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : (( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ، أو يشرب الشربة فيحمده عليها )) .
وقال الحسن : (( ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل منها )) .
وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : (( ما أنعم الله على عبد نعمة فقال : (( الحمد لله )) إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ )) .
وروى مسلم عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الطهور شطر الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان اللَّه والحمد لله تملآن - أو : تملأ - ما بين السماء والأرض )) .
* * *
وقال تعالى : { رب العالمين } .- والرب يطلق على السيد المطاع ، وعلى المصلح ، وعلى الملك .
فهو صفة مشبهة ، ويجوز أن يكون مصدرًا بمعنى التربية .
والرب - بالألف واللام - لا يقال إلا للَّه عز وجل .
- والعالمين - جمع عالم ؛ وهو : كل موجود سوى الله تعالى .
ويدل لذلك قوله تعالى : { قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ . قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } .
- وقد يطلق لفظ (( العالمين )) ويراد به (( الإنس والجن )) فقط ، وذلك في مجال الحديث عن عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم .
قال ابن عباس : العالمون : الجن والإنس ؛ لقوله تعالى : { لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } [ الفرقان : 1 ] .
قال : ولم يذكر نذيرًا للبهائم .
وقال بعض العلماء : واشتقاق العالم من العلامة ؛ لأن وجود العالم علامة لا شك فيها على وجود خالقه متصفًا بصفات الكمال والجلال ، قال تعالى : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ } [ الأعراف : 190 ] .
والآية - في اللغة - العلامة .
وقال تعالى : { الرحمن الرحيم } .وهما من أبنية المبالغة ، و(( الرحمن )) أبلغ من (( الرحيم )) ؛ لأن زيادة المبني تدل على زيادة المعنى كما هو معروف في علم الاشتقاق .
- (( والرحمن )) ، خاص بالله سبحانه وتعالى ، فلا يسمى به غيره ولا يوصف ، بخلاف و(( الرحيم )).
وفائدة الجمع بين الصفتين (( الرحمن )) و (( الرحيم )) الإخبار عن رحمة عاجلة وآجلة ، خاصة وعامة .ثم ؛ إن (( الرحمن )) دال على الصفة الثائمة به سبحانه ، و (( الرحيم )) دال على تعلقها بالمرحوم : فكان الأول للوصف ، والثاني للفعل .
فالأول : دال على أن الرحمة صفته .
والثاني : دال على أنه يرحم خلقه برحمته .وهذا هو سر قوله تعالى : { وكان بالمؤمنين رحيمًا } [ الأحزاب : 43 ] .
{ إنه بهم رءوف رحيم } [ التوبة 117 ] ، ولم يجيء قط رحمن بهم .
وتنقسم الرحمة إلى قسمين : قسم مشترك عام بين المسلم والكافر ، والبر والفاجر ، والبهائم ، وسائر الخلق ، ودليلها { ورحمتي وسعت كل شيء } [ الأعراف : 156 ] ، وقوله : { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا } [ غافر : 7 ] .
وقسم خاص بأنبيائه ورسله وأوليائه وعباده الصالحين ودليله قوله تعالى : { وكان بالمؤمنين رحيمًا } [ الأحزاب : 43 ] .
وقوله :{ إنه بهم رءوف رحيم } [ التوبة : 171] .
وقال تعالى : { مالك يوم الدين } .وقد بين الله يوم الدين بقوله : { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ . ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ . يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } [ الانفطار : 19 ] .
- والمراد بالدين : الجزاء ؛ لقوله تعالى : { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } [ النور : 25] ، أي جزاء أعمالهم بالعدل .
ولا يجوز أن يتسمى أحد بهذا الاسم ، ولا يدعى به إلا الله تعالى . وكذلك لا يجوز أن يتسمى أحد بـ (( ملك الملوك )) ، أو (( شاهنشاه )) ، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : (( يقبض الله الأرض يوم القيامة ، ويطوي السماء بيمينه ، ثم يقول : أنا الملك ، أين ملوك الأرض ؟ )) .
وعنده - أيضًا - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن أخنع اسم عند اللَّه رجل تسمى الأملاك - زاد مسلم - لا مالك إلا اللَّه عز وجل )) .
قال سفيان : وكذلك شاهنشاه ، ومعناها : ملك الملوك .
وقال تعالى : { إياك نعبد إياك نستعين } .
والعبادة ، لغة الذل ، عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية بأنها : اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأوقال والأعمال الظاهرة والباطنة .
وقيل : إن العبادة غاية الذل مع غاية الخضوع .
والاستعانة : طلب العون والمدد ، وذلك لا يكون إلا من اللَّه وحده ، فيما لا يقدر عليه إلا اللَّه وحده .أما استعانة المخلوق ، فهي كاستعانة الغريق بالغريق .
ويقول ابن القيم رحمه اللَّه حول قوله تعالى : { إياك نعبد وإياك نستعين } : كثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية يقول :{ إياك نعبد } تدفع الرياء .و { إياك نستعين } تدفع الكبرياء .
ويقول الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في رسالته القيمية : (( بعض فوائد سورة الفاتحة )) .
{ الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين } تضمنت ثلاث آيات ثلاث مسائل :
الآية الأولى : فيها المحبة : لأن اللَّه منعم ، والمنعم يحب على قدر إنعامه .
والآية الثانية : فيها الرجاء .
والآية الثالثة : فيها الخوف .
وقوله تعالى : { إياك نعبد } أي : نعبدك يا رب بما مضى ؛ بهذه الثلاث : بمحبتك ، ورجائك ، وخوفك .
ثم يقول : (( فهذه الثلاث أركان العبادة ، وصرفها لغير الله شرك )) .
وقال تعالى : { اهدنا } .
والهداية هي الإرشاد إلى الخيرات قولاً وفعلاً .
وقد جاءت مادة الهدى في القرآن الكريم لعدة معان :
الأول : ما منحه الله للعبد من القوى التي توصله إلى مصالحه : كالحواس الخمس ، والعقل ، قال تعالى : { إنا هديناه السبيل } [ الإنسان : 3 ] ، وقال : { وهديناه النجدين } [ البلد : 120 ] ، وقد منح الله بعض هذه القوى للحيوانات وغيره : { أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } [ طه : 50 ] ، { الذي قدر فهدى } [ الأعلى : 3 ] .
الثاني : بعثة الأنبياء والرسل : { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا } [ السجدة : 24 ] ، { ولكل قوم هاد} [ الرعد : 7 ] .
الثالث : ما يوليه الله لصالحي عباده بما اكتسبوا من الصالحات : { وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد } [ الحج : 24 ] ، { أولئك الذين هدى الله فبهدهم اقتده } [ الأنعام : 90 ] .
الرابع : التمكين من الجنة : { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ } [ الأعراف : 43 ] .
فدعاؤنا وطلبنا للهداية ، معناه :
- أن يوفق الله حواسنا ومشاعرنا للسير في طريقه .
- وأن يعيننا على اتباع نبيه ، والاقتداء بسنته .
- وأن يعصمنا من الشبهات ، ويحفظنا من الشهوات .
- وأن يرزقنا الجنة ، مع المنعم عليهم .
* * *
وقال تعالى : { اهدنا الصراط المستقيم } .
والصراط المستقيم ، هو : الطريق الذي نصبه الله لعباده على ألسنة رسله ، وجلعه موصلاً لهم إليه ، ولا طريق لهم سواه ، وهو : إفراده - تعالى - بالعبادة .
وإفراد رسله - عليهم صلوات الله وسلامه - بالاتباع والطاعة .
والصراط المستقيم ليس طريقًا موحشًا .
وإنما هو طريق كثر سالكوه منذ بدء الخليفة إلى اليوم ، وإلى أن يقوم الناس لرب العالمين .
لكن ؛ قد تعتري هذا الطريق فترات يقل سالكوه ، والسائرون فيه ؛ فلا ينبغي للمؤمن أن يستوحش من مواصلة المسير ، فإن إخوانًا طيبين ، سبقوه بإحسان ، { وحسن أولئك رفيقًا } .
قال بعض السلف : (( عليك بطريق الحق ولا تستوحش لقلةا لسالكين ، وإياك وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين )) .
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه أن يدخله في زمرة المهتدين : (( اللهم اهدني فيمن هديت )) .
والعبد - دائمًا - في حاجة إلى هداية الله ، ولذلك كان من الحتم أن يكرر هذا الدعاء في كل ركعة من ركعات الصلاة ؛ إذ أنه لا نجاة من العذاب ، ولا وصول إلى السعادة إلا بهذه الهداية ومن فاتته فهو ؛ إما من المغضوب عليهم وإما من الضالين .
ولسائل أن يسأل :- إن الله هدى المؤمنين إلى الصراط المستقيم ، فلماذا يدعونه به ؟
ولنا أن نجيب بجوابين :
الأول : أن المطلوب هو الدوام عليه .
الثاني : أن معنى (( الصراط المستقيم )) : أن يفعل العبد في كل وقت ما أمر به في ذلك الوقت من علم وعمل ، ولا يفعل ما نهى عنه ، وهذا يحتاج - في كل وقت - إلى أن يعلم ويعمل ما أمر به في ذلك الوقت وما نهي عنه ، وإلى أن تحصل له إرادة جازمة لفعل المأمور ، وكراهة جازمة تعينه على ترك المحظور .
وقد قال اللَّه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم - بعد صلح الحديبة وبيعة الرضوان -: { إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا } - إلى قوله-: { ويهديك صراطًا مستقيمًا } ؛ فإذا كانت هذه حاله صلى الله عليه وسلم في آخر حياته أو قريبًا منها - فما بالك بغيره المؤمنين ؟
(( وصرط الله )) : واحد لا تعدد فيه .
مستقيم لا التواء فيه .
واضح لا غموض يعتريه .
يقول ابن مسعود رضي اللَّه عنه : (( خلط لنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خطًا ، وقال (( هذا سبيل اللَّه )) ، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره ، وقال : (( هذه سبل على كل سبيل شيطان يدعو إليه )) - ثم قرأ : { وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ الأنعام : 1853 ] )) .
* * *
l وقال تعالى : { صراط الذين أنعمت عليهم } .
والذين أنعم اللَّه عليهم هم المذكورون في قوله تعالى : { فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا } [ النساء : 69 ] .l وقال تعالى : { عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ } .
وفائدة هذا الاستثناء : أن الكفار قد شاركوا المؤمنين في كثير من (( النعم العامة )) ، فبين - سبحانه - أن المقصود بالدعاء (( النعم الخاصة )) كالهداية والجنة .l و { المغضوب عليهم } ، الذين علموا ولم يعملوا .
و{ الضالون } الذين عملوا بلا علم .ومن هنا نعلم أن { المنعم عليهم } هم الذين علموا وعملوا ، جعلنا اللَّه منهم ، وحشرنا معهم .
ونعوذ باللَّه أن نذكر به وننساه .
محمد جميل غازي

من مفردات القرآن الكريم : "الحمد للَّه"

من مفردات القرآن الكريم : "الحمد للَّه"
بقلم فضيلة الشيخ : محمد جميل غازي - رحمه الله -
رئيس قسم التراث العربي بالمجلس الأعلى للفنون والآداب سابقاً
والرئيس الأسبق لجمعية العزيز بالله
**********
{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(1)الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2)الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(3)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4)إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ(7) }[ سورة الفاتحة ] . اللَّه الذي نعبده ونوحده ونمجده ونحمده :له الأمر والنهي ، ومنه الخلق والرزق ، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ، أحاط بكل شيء علمًا ، وأحصى كل شيء عددًا ، ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، يعز ويذل ، ويداول الأيام بين الناس . لا يشغله سمع عن سمع ، ولا شأن عن شأن ، ولا تغلطه كثرة المسائل ، ولا يتبرم بإلحاح ذوي الحاجات ، بل يحب من عبادة الملحين في الدعاء . الغيب عنده شهادة ، والسر عنده علانية ؛ له الملك ، وله الحمد ، وله الدنيا والآخرة ، وله ما سكن في الليل والنهار ، وله النعمة والفضل والثناء الحسن . بيده الخير ، وإليه يرجع الأمر ، يغفر الذنوب ، ويفرج الكروب ، ويجبر الكسير ، ويغني الفقير ، ويعلم الجاهل ، ويهدي الضال ، ويرشد الحيران ، ويغيث اللهفان ، ويفك العاني ، ويشبع الجائع ، ويكسو العاري ، ويشفي المريض ، ويعافي المبتلى ، ويقبل التائب ، ويجزي المحسن ، وينصر المظلوم ، ويقصم الجبار . يقيل العثرات ، ويستر العورات ، ويؤمن الروعات ، ويرفع أقوامًا ويضع آخرين .لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار ، وعمل النهار قبل الليل .حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ، يمينه ملأى لا تغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار .. قلوب العباد ونواصيهم بيده ، وأزمة الأمور معقودة بقضائه وقدره ، والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة ، والسماوات مطويات بيمينه ، سبحانه وتعالى عما يشركون . أحق من ذكر وعبد وحمد ، وأولى من شكر ، وأرأف من ملك ، وأجود من سئل وأعطى من قدر ، وأكرم من قصد ، وأعدل من انتقم .حلمه بعد علمه ، وعفوه بعد قدرته ، ومغفرته عن عزته ، ومنعه عن حكمته ، وموالاته عن إحسانه ورحمته . هو الملك لا شريك له ، والأحد فلا ند له ، والغني فلا ظهير له ، والصمد فلا ولد له ولا صاحبة له ، والعلي فلا شبيه له ولا سمي له .كل شيء هالك إلا وجهه ، وكل ملك زائل إلا ملكه ، وكل فضل منقطع إلا فضله . يطاع فيشكر ؛ ويعصى فيتجاوز ويغفر ؛ كل نقمة منه عدل ، وكل نعمة منه فضل ، أقرب شهيد ، وأدنى حفيظ .ذلكم اللَّه ربكم . {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(102)لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(103)} [ الأنعام ] . {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(3)إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ(4)} [ يونس ] . {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ(32)} [ يونس ] . {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ(13)إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)} [ فاطر ] . {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ(6)} [ الزمر ] . {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ(62)كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ(63) [ غافر ] . الحمد للَّه : و (( الحمد لله )) كلمة يقولها المؤمنون باللَّه ، الذاكرون لفضله ، الشاكرون لآلائه . قالها (( نوح )) عيه السلام - عندما استوى هو ومن معه على الفلك - الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين }[ المؤمنون : 28 ] . وقالها (( إبراهيم )) عليه السلام - حينما أنعم اللَّه عليه بنعمة الولد:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ(39)} [ إبراهيم ] . وقالها (( داود )) و (( سليمان )) عليهما السلام - لما من اللَّه عليهما بالملك العريض : {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ(15)} [ النمل ] . وتقولها (( الملائكة )) عليهم السلام : { وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } [ الزمر : 75 ] . ويقولها أهل الجنة في الجنة : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ } [ فاطر : 34 ] ، { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ } [ الزمر : 74 ] ، { الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ } [ الأعراف : 43 ] . بل إن ما في الكون كله ؛ يسبح بحمد اللَّه وبقدسه ، ويسلم له ، ويعنو لسلطانه ، { وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ } [ الرعد : 13 ] . { إِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } [ الإسراء : 44 ] . صاحب لواء الحمد : وقد كان (( الرسول الخاتم )) صاحب لواء الحمد صلى الله عليه وسلم كثير الحمد للَّه ، والضراعة إليه ، كما أمره ربه وعلمه . { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } [ الإسراء : 111 ] . { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى } [ النمل : 59 ] . { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } [ النمل : 59 ] . { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } [ العنكبوت : 63 ] . { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } [ لقمان : 25 ] . فكان صلى الله عليه وسلم يحمد اللَّه - دائمًا - ويمجده ؛ إن صلى أو صام ، أو سافر ، أو أقام ، أو أكل أو شرب ، أو حارب ، أو خطب . وكان يقوم لربه من جوف الليل ، يدعوه بهذا الدعاء ، ويحمده بتلك المحامد : (( اللهم لك الحمد ، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت الحق ، ووعدك الحق ، ولقاؤك حق ، والجنة حق ، والنار حق ، والنبيون حق ، والساعة حق ، ومحمد حق )) . (( اللهم لك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت ، وإليك حاكمت ، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، أنت إلهي لا إله إلا أنت )) . مادة الحمد في القرآن الكريم : وقد وردت مادة (( الحمد )) ومشتقاتها في القرآن الكريم 68 مرة ، ومن تتبع ورودها في القرآن الكريم فإنه يجدها تدور حول الاستعمالات التالية : الاستعمال الأول : حمده ؛ بمعنى أثنى عليه ، ومنه قوله تعالى : { وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } [ آل عمران : 188 ] . الاستعمال الثاني : حمد اللَّه ، بمعنى أثنى عليه ومجده وعظمه ، ومنه قوله تعالى : { الحمد لله رب العالمين } . الاستعمال الثالث : الحميد - من صفات اللَّه تعالى - ومعناه : المحمود ، ومنه قوله تعالى : { واعلموا أن اللَّه غني حميد } [ البقرة : 267 ] . الاستعمال الرابع : أحمد ، وهو علم منقول من أفعل التفضيل ، بمعنى الأكثر حمدًا ، ومنه قوله تعالى : { ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد } [ الصف : 6 ] . الاستعمال الخامس : محمد ، وهو علم أطلق على من كثرت خصاله المحمودة ، ومنه قوله تعالى : { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } [ آل عمران : 144 ] . ورود عبارة (( الحمد لله )) في القرآن الكريم :وأما عبارة (( الحمد لله )) ، فقد وردت في القرآن الكريم سبعًا وعشرين مرة. وافتتحت بها خمس سور ، هي : الفاتحة : { الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ } . الأنعام : { الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } . الكهف : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } . سبأ : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ } . سورة فاطر : { ‏الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } . كما اختتمت بها خمس سور هي : الإسراء : { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } [ الإسراء : 111 ] . النمل : { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } [ النمل : 93 ] . الصافات : { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ . وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [ الصافات : 182 ] . الزمر : { وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [ الزمر : 75 ] .الجاثية : { فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(36)وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(37)} [ الجاثية ] . تعريف (( الحمد )) : وقد عرفوا الحمد بأنه الثناء باللسان على الجميل الاختياري على وجه التعظيم والتبجيل. وعرفوه - اصطلاحًا - بأنه فعل أو قول ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا على الحامد أو غيره . واللَّه - سبحانه وتعالى - وحده ، هو المستحق للمحامد كلها ، فهو - سبحانه - المحمود من كل وجه ، وبكل اعتبار ، بجميع أنواع الحمد . فالحمد لله على إحسانه وآلائه ... والحمد لله على أسمائه الحسنى ، وصفاته العليا ...والحمد لله كما يحب ويرضى .. ونعوذ باللَّه أن نذكر به وننساه . ( وللحديث بقية في عدد يأتي بمشيئة اللَّه تعالى ) .
وكتبه د. محمد جميل غازي