‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاقتصاد الإسلامي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاقتصاد الإسلامي. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 2 ديسمبر 2010

البنك الدولي ينشئ أول صندوق إسلامي في واشنطن

البنك الدولي ينشئ أول صندوق إسلامي في واشنطن

المنامة، البحرين (CNN العربية ):
متابعة: محمد الغسرة
الخميس 02 ديسمبر 2010
قال مسؤول في البنك الدولي الذي يتخذ من واشنطن مقرا له، إن مؤسسة التمويل الدولية قررت إنشاء صندوق ائتماني إسلامي للمرة الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية.
وقال الأخصائي الأول بالقطاع المالي في البنك الدولي ابام يومي العوضي لـCNN بالعربية إن "الصندوق في طور الإنشاء بالتعاون مع جهات مصرفية ومؤسسات إسلامية في الشرق الأوسط."
وأضاف، على هامش مشاركته في مؤتمر مالي بالبحرين، أن البنك الدولي يدرس إدخال هذا النوع من الصناديق، ولكنه لم يحدد موعد الإصدار وقيمة الصندوق الذي سيكون في بداية الأمر اقل من مليار دولار."

السبت، 16 أكتوبر 2010

كنيسة شيكاغو تستثمر في الصكوك الإسلامية


  كنيسة شيكاغو تستثمر في الصكوك الإسلامية
حوار موقع رسالة الإسلام مع الدكتور بشر موفق
أجرت الحوار: إسراء البدر
****** 
رأى مؤسس ومدير مشروع موسوعة الاقتصاد والتمويل الإسلامي على الإنترنت الدكتور بشر محمد موفق أن الأزمات المالية التي عصفت بالغرب مؤخرا كان لها عظيم الأثر في لفت أنظار هذا الجزء من العالم إلى أعظم نظام اقتصادي عرفته البشرية وهو النظام الاقتصادي الإسلامي، مشيرا إلى أن كنيسة شيكاغو تستثمر أموالها في الصكوك الإسلامية التي تراها أكثر عدالة واستقرارا من المشتقات المالية الغربية التي أودت بالأسواق المالية إلى الهاوية.
وأوضح الدكتور موفق في حوار خاص مع شبكة "رسالة الإسلام" أن الدعوات التي ظهرت في الغرب للعمل بنظام الصيرفة الإسلامية كسبيل للخروج من الأزمة المالية العالمية الحالية تأتي انطلاقا من مبدأ الحكمة والمصلحة، بينما لا زالت القوانين والتشريعات والبيئة المصرفية والبنوك المركزية في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية تقوم على أساس النظام الربوي الغربي انطلاقا من نهج التبعية الموجودة في أقطارنا العربية والإسلامية للعالم الغربي.
وفيما يلي نص الحوار:

الجمعة، 8 أكتوبر 2010

بين مطرقة الغلاء وسندان الفقر .. كيف السبيل ؟!

بين مطرقة الغلاء وسندان الفقر .. كيف السبيل ؟!

عبد الرحمن المراكبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد ..
فإن لله عز وجل سنناً في الكون لا تتغير ولا تتبدل ، ومن هذه السنن سنة الابتلاء ، ومما يبتلي الله عز وجل به عباده الغلاء ، وقد سبب غلاء الأسعار ضيقاً شديداً على الناس أما الفقراء فقد سحقهم سحقاً وأما متوسطوا الحال فهم من السحق قاب قوسين أو أدنى .
والدارس لعلم الاقتصاد يعلم جيداً أن أسعار السلع والخدمات لا تستقر على حالها، فهي تتبع حركة السوق وآلياتها، وهي حركة متغيرة بطبعها ، كما أن للغلاء أسباب عدة يتصل معظمها بالدول المنتجة للسلع وتتصل كذلك بالتضخم العالمي ؛ وهناك أسباباً أخرى داخلية تخص كل دولة على حده منها : الفساد المالي والإداري ، وخلل السياسات الاقتصادية ، ونقص الموارد ، وضعف الإمكانات البشرية ، وقلة الإنتاج المحلي وغيرها ، لكن المؤمن يعلم أن كل شيء بقدر الله عز وجل ، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فالله سبحانه وتعالى قد قدَّر كل شيء صغيرَه وكبيرَه .
قال تعالى :[ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلأرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء ] [الأنعام:38] ، وقال صلى الله عليه وسلم : ((أوّلَ ما خلق الله القلمَ قال له : اكتب، قال: ربِّ، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقاديرَ كلّ شيء حتى تقوم الساعة)) رواه أبو داود
والابتلاء ليس قاصرًا في الشرّ وحدَه قال تعالى: [ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ] [الأنبياء:35] ، يقول ابن عباس رضي الله عنهما : ( نبتليكم بالشدّة والرخاء، والصحّة والسّقم والغنى والفقر والحلال والحرام والطّاعة والمعصية والهدى والضلالة )
وليست المصيبةُ في الابتلاء لكونه سنّةً ربانية ماضية ، وإنما المصيبة في كيفية التعاملِ معه ، إذِ المفترض أن يكونَ موقفُ المؤمنين منه واضحًا جليًّا من خلال الإيمان بأنّه من عند الله، ثمّ الإدراك بأنه وإن كان ظاهره الشرّ إلا أنّه قد ينطوي على خيراتٍ كثيرة لمن وفّقه الله لاستلهام ذلك.

الأحد، 26 سبتمبر 2010

المجموعة الكاملة لبحوث ندوة "الصكوك الإسلامية عرض وتقويم"

المجموعة الكاملة لبحوث ندوة "الصكوك الإسلامية عرض وتقويم"
يمكنكم الآن تحميل المجموعة الكاملة لندوة الصكوك الإسلامية عرض وتقويم، والتي عقدها مجمع الفقه الدولي بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب عضو البنك الإسلامي للتنمية ومركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي في جامعة الملك عبد العزيز، في يومي الاثنين والثلاثاء 10-11 جمادى الآخرة 1431هـ الموافق 24-25- مايو 2010.
وقد كانت محاور الندوة كما يلي:
المحور الأول: الصكوك الإسلامية رؤية مقاصدية.
 قدم فيها بحثان: للدكتور عبد الرحيم الساعاتي والدكتور عبد الباري مشعل.

الاثنين، 25 يناير 2010

الربا فى الفقة الإسلامى

الربا فى الفقة الإسلامى


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله وصحبه، وبعد



في الكتاب العزيز






جاء ذكر الربا في أربع من سور القرآن الكريم، وهي البقرة، وآل عمران، والنساء، والروم؛ إحداها مكية، وهي سورة الروم، قال الله تعالى وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ الروم


ومن المعلوم أن الربا لم يحرَّم إلا في العهد المدني، أي أن هذه الآية الكريمة المكية جاءت من باب التدرج في التشريع، كما حدث مثلاً في تحريم الخمر، فبينت أن الربا غير مقبول عند الله تعالى، وبذلك هيأت الأذهان والنفوس لتلقي حكم التحريم وتنفيذه


ثم نزل التحريم في قوله تعالى من سورة آل عمران يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ آل عمران


وجاءت سورة البقرة بختام هذا التشريع، فبينت سوء المنقلب لمن يتعامل بالربا واعتبرته عدوًّا لله، ولرسوله مستحقًا لحربهما، وأي خسارة بعد هذه الخسارة ؟ فتدبر قوله تعالى الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ البقرة

في السنة الشريفة



وجاءت السنة النبوية الشريفة تبين أن الربا من الكبائر، ومن الجرائم الموبقات المهلكات، وأن اللعنة تلحق من يأكله، ومن يُطعمه غيره، ومن يكتبه، ومن يشهد عليه، وانظر مثلاً في كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري تجد ثلاثين حديثًا في الترهيب من الربا


منها ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول قال «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا يا رسول الله، وما هُنّ؟ قال «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» البخاري ، ومسلم


وما رواه مسلم وغيره عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال لعن رسول الله آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال «هم سواء» مسلم


وما رواه البخاري بسنده عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال «رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل في النهر، فإذا أراد الرجل أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت ما هذا؟ فقال الذي رأيته في النهر آكل الربا» البخاري


ولا يسع أي مؤمن يسمع كلام الله تعالى، وكلام رسول الله إلا أن يجتنب الربا أو ما فيه شبهة ربا


لذا وجب أن نعرف ما يتعلق بالربا، وعلى الأخص في زماننا هذا، وقد عمت البلوى، واستشرى الفساد في الأرض، وأصبح كثير من الناس ينطبق عليهم قول الرسول « يأتي على الناس زمان، لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام» البخاري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه


وقوله «ليأتين على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا، فإن لم يأكله أصابه من بخاره» وفي رواية «من غباره» أبو داود






مفهوم الربا المحرم



الربا في القرآن الكريم


تحدث القرآن الكريم عن الربا في أربع من سوره، وكان الختام هو آيات الربا في سورة البقرة الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ إلى وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ الآيات


وتفسير آيات الربا في السور الأربع يطول ذكره والرجوع إليه بحمد الله تعالى ميسر في كثير من الكُتب، والذي نريد أن نقف عنده هنا هو معنى الربا الذي تحدث عنه القرآن الكريم، وكان شائعًا في الجاهلية عند تفسير قوله تعالى الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا


روي الطبري عن مجاهد قال في الربا الذي نهى الله عنه كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدَّيْن فيقول لك كذا وكذا وتؤخر عني فيؤخر عنه


وعن قتادة أن ربا أهل الجاهلية يبيع الرجل إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء، زاده وأخَّر عنه


وعند قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ


روى الطبري عن السدي قال نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب، ورجل من بني المغيرة، كانا شريكين في الجاهلية، يسلفان في الربا إلى أناس من ثقيف


وعن الضحاك قال كان ربًا يتبايعون به في الجاهلية، فلما أسلموا أُمِروا أن يأخذوا رءوس أموالهم راجع الجزء السادس من تفسير الطبري تحقيق محمود محمد شاكر ص وما بعدها


وقال الجصاص الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل، بزيادة على مقدار ما استقرض، على ما يتراضون به أحكام القرآن


وقال في موضع آخر معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضًا مؤجلاً بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلاً من الأجل، فأبطله الله تعالى وحرمه أحكام القرآن


وقال الفخر الرازي ربا النسيئة هو الأمر الذي كان مشهورًا متعارفًا في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرًا معينًا، ويكون رأس المال باقيًا، ثم إذا حلَّ الدَّيْن طالبوا المدين برأس المال، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به تفسير الرازي


وقال ابن حجر الهيثمي ربا النسيئة هو الذي كان مشهورًا في الجاهلية؛ لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل، على أن يأخذ منه كل شهر قدرًا معينًا ورأس المال باقٍ لحاله، فإذا حل طالبه برأس المال، فإن تعذر عليه الأداء زاد في الحق والأجل الزواجر عن اقتراف الكبائر


وتسمية هذا نسيئة، يصدق عليه ربا الفضل أيضًا؛ لأن النسيئة هي المقصودة فيه بالذات


مما سبق نرى أن ربا الجاهلية كان من ربا الديون، وهو ربا النسيئة


والدَّين قد يكون ناشئًا عن بيع آجل، فإذا حل الأجل ولم يدفع المشتري الثمن التزم بدفع زيادة عليه مقابل الزيادة في الأجل، وقد يكون الدين قرضًا مؤجلاً بزيادة مشروطة مقابل الأجل، ويُتفق على هذه الزيادة الربوية من البداية بالتراضي بما يراه كل منهما مصلحة لنفسه


وقد يدفع هذا الربا مقسطًا أقساطًا شهرية، ويظل رأس المال باقيًا، وإذا حل موعد القرض طبقت القاعدة الجاهلية المعروفة إما أن تقضي، وإما أن تربي، فإما أن يؤدي المقترض، وإما أن يزاد في الدين والأجل


ويظهر الاستغلال والحاجة عند عجز المدين عن أداء الدين، وتطبيق القاعدة الجاهلية، ولكن لا يظهر شيء من هذا إذا لم يعجز المدين، وأدى الدين والزيادة الربوية المتفق عليها، وقد يربح المقترض في تجارته برأس مال المقرض أضعاف الزيادة الربوية، ومع هذا يظل التحريم قائمًا، ويأذن جميع آكلي الربا بحرب من الله ورسوله


فربا الجاهلية إذن لا يظهر فيه الاستغلال والحاجة إلا في صورة من صوره، وهو مثل الفوائد المركبة التي تأخذها جميع البنوك الربوية في عصرنا، ومثل ما يفعله كثير من التجار في البيع بالتقسيط؛ حيث يأخذون زيادة من المشتري عند تأجيل دفع الأقساط عن موعدها المحدد


وقوله تعالى وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ يبين أن أي زيادة على رأس المال مهما قلت أو كثرت تعتبر من الربا المحرم، وهذا الحكم خاص بالمدين الموسر، أما المدين المعسر فيبين حكمه قوله تعالى وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ






الربا في السنة المطهرة






جاءت السنة المطهرة لتؤكد تحريم ربا الديون الذي حرمه القرآن الكريم، وتبين أنه من أكبر الكبائر، ومن السبع الموبقات المهلكات، وأن اللعنة تنزل على كل من يشترك في ارتكابه، ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره أن النبي لعن آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال «هم سواء» مسلم وفي مسلم أيضًا «فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء» مسلم


وفقه الحديث الشريف يبين أن أي زيادة ربا محرم، ويستوي في الإثم واللعنة المقرض والمقترض، ولو كان التحريم مرتبطًا بالاستغلال وقصم الظهر فقط كما يقول المجترئون على الفتيا لكانت اللعنة لا تلحق المقترض الفقير، والإثم يرتفع عن المضطر المحتاج


كما كان للسنة دور آخر؛ حيث بينت تحريم ربا البيوع، وهو نوعان ربا الفضل أي الزيادة، وربا النسيئة أي التأجيل والتأخير


ويجمعهما حديث الأصناف الستة المشهور «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يدًا بيد» مسلم فبيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة إلخ يشترط فيه التقابض في المجلس، وعدم الزيادة، فإن كانت هناك زيادة مع القبض فهذا ربا الفضل، وإن لم يتم القبض فهو ربا نسيئة، سواء اشتمل على ربا الفضل أم لم يكن فيه زيادة


أما عند بيع الذهب بالفضة فلا يشترط التساوي، ولكن لا بد من التقابض كما جاء فيما رواه الشيخان «الذهب بالورق أي العملة الفضية ربا؛ إلا هاء وهاء»، أي خذ وهات، فإن لم يتم القبض فهو ربا نسيئة






الإجـمـاع






اختلف الفقهاء فيما يلحق بالأصناف الستة، ويأخذ حكمها في حالة البيع، ويعد من الأموال الربوية، فإذا لم تتوافر الشروط المذكورة آنفًا كان ربا الفضل أو النسيئة، وقد أفتت كل المجامع الفقهية بأن النقود الورقية لها ما للذهب والفضة من الأحكام


والاختلاف هنا إنما هو في حالة البيع فقط، أما في القرض فلا خلاف في تحريم أي زيادة مشروطة في العقد، ولا يقتصر هذا على الأصناف الستة وما يلحق بها، وإنما هو في كل شيء


قال الإمام مالك كل شيء أعطيته إلى أجل فرد إليك مثله وزيادة فهو ربا المدونة


وقال ابن رشد الجد وأما الربا في النسيئة فيكون في الصنف الواحد وفي الصنفين، أما في الصنف الواحد فهو في كل شيء من جميع الأشياء، لا يجوز واحد باثنين من صنفه إلى أجل من جميع الأشياء مقدمة ابن رشد ص


وقال شيخ الإسلام ابن تيمية «وليس له أن يشترط الزيادة عليه في جميع الأموال باتفاق العلماء» مجموع الفتاوى


وأهل الظاهر الذي خالفوا الجمهور، فوقفوا عند الأصناف الستة في البيع، لم يخرجوا على الإجماع في القرض قال ابن حزم «الربا لا يجوز أي لا يكون في البيع والسلم إلا في ستة أشياء فقط في التمر والقمح والشعير والملح والذهب والفضة، وهو في القرض في كل شيء» المحلى


وقال «وهذا إجماع مقطوع به»


وقال ابن قدامة «كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف قال ابن المنذر أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا» المغني


إذن فتحريم فوائد القرض ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، ومعلوم من الدين بالضرورة


قال الإمام الشيخ محمد أبو زهرة، رحمه الله إن النصوص القرآنية الواردة بالتحريم تدل على أمرين ثابتين لا مجال للشك فيهما


الأمر الأول أن كلمة الربا لها مدلول لغوي عند العرب كانوا يعاملون به ويعرفونه، وأن هذا المدلول هو زيادة الدَّيْن نظير الأجل، وأن النص القرآني كان واضحًا في تحريم ذلك النوع، وقد فسره النبي ، بأنه الربا الجاهلي، فليس لأي إنسان فقيه أو غير فقيه أن يدعي إبهامًا في هذا المعنى اللغوي، أو عدم تعيين المعنى تعيينًا صادقًا، فإن اللغة عينته، والنص القرآني عينه بقوله تعالى وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ


الأمر الثاني هو إجماع العلماء على أن الزيادة في الدَّين نظير الأجل هو ربا محرم ينطبق عليه النص القرآني، وأن من ينكره أو يماري فيه فإنما ينكر أمرًا عُلم من الدين بالضرورة، ولا يشك عالم في أيّ عهد من عهود الإسلام أن الزيادة في الدين نظير تأجيله ربا لا شك فيه.

 
والله من وراء القصد
وكتبه : د. علي السالوس

الأربعاء، 13 يناير 2010

مبادئ الاقتصاد الإسلامى وخصائصه

مبادئ الاقتصاد الإسلامى وخصائصه
اعداد د. على احمد السالوس أستاذ فخري للاقتصاد الإسلامى بجامعة قطر ----------------
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد فقد أصبح الاقتصاد من أهم العلوم التي يعتني بها الباحثون شرقًا وغربًا لما له من أثر واضح في الحياة المعاصرة، وفي ظل المستجدات على الساحة، وحاجة الناس لتأصيل المعاملات المالية المستحدثة، وما يشغل الناس تجاه تلك الأمور وبداية من هذا العدد نتناول بمشيئة الله تعالى مبادئ الاقتصاد الإسلامي وخصائصه من خلال الكتاب والسنة، ومفهوم الربا المحرم فنقول وبالله التوفيق
خصائص الاقتصاد الإسلامي
الاقتصاد الإسلامي هو الذي يوجه النشاط الاقتصادي وينظمه وفقًا لأصول الإسلام ومبادئه الاقتصادية إن الاقتصاد الإسلامي كأحد فروع الشريعة الإسلامية يتسم بتلك الخصائص التي تتسم بها تلك الشريعة وتميزها عن غيرها من الشرائع الوضعية وهي
أولاً ربانية المصدر
الخصيصة الأولى للاقتصاد الإسلامي أنه رباني المصدر ؛ فليس هو الاقتصاد الذي قال به أفلاطون أو أرسطو، وليس اقتصاد التجاريين أو الطبيعيين، أو الكلاسيكيين أو الماركسيين، وإنما هو جزء من الإسلام، فمصدره إلهي، مستمد من كتاب الله، وسنة نبيه ومعنى هذا أن الاقتصاد الإسلامي في جملته مصدره الوحي، أو الاجتهاد في ضوئه، وهذه الخصيصة لا توجد في أي مذهب اقتصادي آخر، فكل المذاهب الأخرى من وضع البشر لذا وجب الإيمان بأنه هو الصالح للناس، فيجب الأخذ به وتطبيقه، فهو اقتصاد معصوم في أوامره ونواهيه ومبادئه الكلية، وأقرب إلى الصواب في الأمور التي تكون بالاجتهاد
ثانيًا ربانية الهدف
الاقتصاد الإسلامي يهدف إلى سد حاجات الفرد والمجتمع الدنيوية، طبقًا لشرع الله تعالى الذي استخلف الإنسان في التصرف في المال والانتفاع به، فالمسلم يدرك أن المال ملك الله عز وجل فيكون إرضاء مالك المال، سبحانه وتعالى هدفًا يسعى إليه المسلم في نشاطه الاقتصادي يقول الله تعالى وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا القصص ولذلك نجد المسلم وهو يزاول نشاطه الاقتصادي يسلك مسلكه وهو يعبد الله عز وجل، بل الهدف من نشاطه أساسًا عبادة الله تبارك وتعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ الذاريات
ثالثًا الرقابة المزدوجة
عندما يضع نظام بشري مبادئه وقوانينه فإن التطبيق يحتاج إلى جهاز للرقابة، ويستطيع الناس مخالفة هذا النظام ما داموا بعيدين عن أعين الرقباء، أما في الإسلام فإن النشاط الاقتصادي يخضع لرقابتين رقابة بشرية، ورقابة ذاتية، والرقابة البشرية وجدناها بعد الهجرة، فالرسول كان يراقب الأسواق بنفسه، وعندما فتحت مكة أرسل من يراقب أسواقها، ومن هنا ظهرت وظيفة المحتسِب لمراقبة النشاط الاقتصادي إلى جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحساس المسلم أن الله عز وجل أحل كذا، وحرم كذا، يفرض رقابة ذاتية، ولذلك رأينا سلوك المسلم في نشاطه الاقتصادي كسلوكه في عبادته
رابعًا الجمع بين الثبات والمرونة أو التطور
في الاقتصاد الإسلامي أمور ثابتة، لا تتغير ولا تتبدل مهما تغير الزمان والمكان منها تحريم الربا والميسر، وحِلّ البيع، وكثير من العقود، والنِّصاب، والمقدار في الزكاة، وتوزيع التركة على الورثة ؛ فليس لأحد أن يُحل ما حُرم، أو يُحرم ما أحل والإسلام جاء خاتمًا للشرائع السابقة ليطبق في كل زمان ومكان، فكان في اقتصاده من المرونة ما جعله يتسع للأساليب المختلفة، والوسائل المتجددة، والعرف ما دام لا يتعارض مع أصل ثابت ومن المعروف أن الأصل في العبادات الحظر، وفي المعاملات الإباحة ؛ لذا اتسع الاقتصاد الإسلامي ليشمل ما يَجِدُّ من المعاملات المختلفة التي خلت من الربا والميسر والغَرَر الفاحش، ورأينا تغير الفتوى تبعًا لتغير الزمان والمكان، يقال هذا اختلاف زمان ومكان وليس اختلاف حجة وبرهان
خامسًا التوازن بين المادية والروحية
الإنسان مادة وروح، وخالقه عز وجل يعلم ما يصلح لكل منهما وما لا يصلح أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الملك فجاء الاقتصاد الإسلامي بالتوازن بين الجانبين؛ بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، ولهذا وجدنا الربط بين التنمية الاقتصادية والتنمية الإيمانية وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ الأعراف بل جعل النشاط الاقتصادي سعيًا في سبيل الله كما جاء في الحديث الشريف «إن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان» رواه الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع ولهذا وجدنا في قواعد الإسلام للاقتصاد الحثّ على إعطاء الآخرين من رزق الله، زكاة وصدقة وكفارات
سادسًا التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة
للإنسان دوافعه ورغباته، وما يراه محققًا لمصلحته الخاصة، وقد تتعارض مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة، فراعى الاقتصاد الإسلامي التوازن التام بين المصلحتين ومن المعلوم أن ما يملكه الفرد لا يجوز غصبه أو الاعتداء عليه، كما قال في خطبته يوم عرفة من حجة الوداع «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» متفق عليه وللمالك حق الانتفاع المشروع بما لا يتعارض مع مصلحة الجماعة، وليس له حق استخدام ما يملك بطريقة تسبب الضرر للآخرين، أو الجماعة والمحتكر الذي يريد أن يستغل حاجة الجماعة لا يُمكَّن من هذا، بل يقوم ولي الأمر أو المحتسب بإجباره على البيع بثمن المثل هذا التوازن لا تراه في أي مذهب آخر، فالرأسمالية اتجهت نحو الفرد وإشباع رغباته دون حدود أو قيود، والماركسية ألغت مصلحة الفرد إلغاءً تامًّا، وهكذا نجد اتجاهين متعارضين متناقضين الاتجاه الفردي، والاتجاه الجماعي، ويبقى الاقتصاد الإسلامي متميزًا بخصيصة التوازن
سابعًا الواقعية
الاقتصاد الإسلامي واقعي في مبادئه ومنهجه وأحكامه ينظر إلى الواقع العملي الذي يتفق مع طبائع الناس، ويراعي دوافعهم وحاجاتهم ومشكلاتهم، لا يجنح إلى خيال وأوهام، ولا ينزل إلى دَرَكٍ لا يتفق مع البشرية التي كرمها ربنا عز وجل ويكفي أن ندرس مبادئه لتتضح هذه الخصيصة، ولنتدبر قول العليم الخبير الخالق سبحانه وتعالى نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ الزخرف فهذا هو واقع الناس، اختلافهم في الرزق والجاه، ليتخذ بعضهم من بعض أعوانًا يسخَّرون في قضاء حوائجهم، حتى يتساندوا في طلب العيش وتنعيم الحياة، وختام الآية الكريمة له أثره في أن يتم هذا في تراحم وتعاون محمود
ثامنًا العالمية
من الخَمس التي خُصَّ بها خاتم الرسل أنه بُعث للناس كافة، وكان كل نبي يُبعث لقومه خاصة متفق عليه ، ونص القرآن الكريم على هذا في عدد من سوره، ففي أول سورة الفرقان تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ، وفي سبأ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، وفي الأنبياء وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، وفي الأعراف قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ولهذا جاء الإسلام صالحًا للتطبيق في كل زمان ومكان والاقتصاد جزء من هذا الدين الخاتم، ولهذا جاء بأحكام كلية، ومبادئ عامة تناسب كل مكان وزمان، وجمع بين الثبات المرونة أو التطور، واتسع لاجتهادات المجتهدين، وجعل الأصل في المعاملات الإباحة ما لم يوجد ما يعارض نصًّا، أو أصلاً ثابتًا أو مقصدًا من مقاصد التشريع الإسلامي مبادئ الاقتصاد الإسلامي
أولاً الملكية المزدوجة، الخاصة والعامة
الملكية لله عز وجل وملكية البشر استخلافية الأصل في الملكية التامة أنها لله عز وجل فهو سبحانه وتعالى الخالق، لا شريك له، مالك الملك والملكوت، وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ المائدة ولكنا نجد في آيات أخرى نسبة المال للناس، كقوله تعالى وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ الذاريات ، وقوله جل شأنه وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ البقرة والملكية هنا إنما تعني ملكية المنفعة والتصرف، ويمكن إدراك هذا بضم الآيات بعضها لبعض، فالمالك عز وجل استخلف البشر في ماله، وجعل لهم حق المنفعة والتصرف وهذا الحق جُعل في بعض الأموال للأفراد، وهو ما يُعرف بالملكية الخاصة، وفي بعضها الآخر جُعل للجماعة أو الدولة، وهو ما يُعرف بالملكية العامة
ثانيًا التكافل وضمان الكفاية
روى الإمام أحمد في مسنده من عدة طرق أن الرسول قال «من ولي لنا عملاً وليس له منزل فليتخذ منزلاً، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادمًا، أو ليست له دابة فليتخذ دابة» صححه الشيخ أحمد شاكر في عمدة التفسير وقال الخطابي «هذا يُتأول على وجهين أحدهما أنه أباح اكتساب الخادم والمسكن من عمالته التي هي أجرة مثله، والوجه الآخر أن للعامل السكنى والخدمة، فإن لم يكن له مسكن ولا خادم استؤجر له من يخدم؛ فيكفيه مهنة مثله، ويُكترى له مسكن يسكنه مدة مقامه في عمله» وقد نجد من الأعمال ما لا يحقق عائدًا لصاحب العمل يمكِّنه من إعطاء العامل أجرًا يفي بتمام كفايته هو ومن يعول، وهنا يأتي دور الدولة، فعليها أن تضمن للعامل تمام الكفاية إذا كان أجره العادل لا يكفيه، والعاجزون عن العمل لهم أيضًا تمام كفايتهم، ويكون هذا من نفقات الأقارب الواجبة، وإلا فمن الزكاة أو بيت المال
ثالثٍا الحرية المقيدة
الحرية مبدأ من المبادئ المهمة في الاقتصاد الإسلامي، فالمسلم حر في اختيار العمل الذي يناسبه، وطرق الكسب التي يستريح لها، والتملك الذي يفضله، والإنفاق الذي يشبع رغباته وهذه الحرية مقيدة في حدود مبدأ الاستخلاف الذي ذكرناه آنفًا، وتضبطها أحكام التشريع الإسلامي من الحلال والحرام فالمسلم الوكيل يتصرف في الحدود الذي يسمح بها الموكل، فليس من حق المسلم أن ينتفع بالمال أو يتصرف فيه إلا بما شرعه مالك المال حقيقة، وهو الله عز وجل الذي استخلفه في هذا المال وإذا لم يراقب الله سبحانه وتعالى فمنع حقًّا أو ارتكب حرامًا، جاء دور الشق الثاني من الرقابة المزدوجة، الرقابة البشرية التي تقوم بها الدولة المسلمة وللحديث بقية إن شاء الله وقدر، والحمد لله رب العالمين

الأحد، 10 يناير 2010

البنوك الربوية والمضاربة الإسلامية

البنوك الربوية والمضاربة الإسلامية
صلاح نجيب الدق
الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، الذي أرسله ربه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، أما بعد فإن الربا له آثار خطيرة على الفرد والمجتمع، وقد جعل الله تعالى في المضاربة الإسلامية بديلاً عن التعامل بالربا، من أجل ذلك أحببت أن أذكر نفسي وإخواني الكرام بهذا الأمر الذي يشغل كثيرًا من المسلمين، فأقول وبالله تعالى التوفيق . أضرار الربا على المجتمع إن للربا آثارًا خطيرة على المجتمع الذي ينتشر فيه، وسأتحدث عن الأضرار الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للربا بإيجاز شديد أولاً الأضرار الاقتصادية إن للربا آثارًا سيئة على اقتصاد المجتمع الذي ينتشر فيه يمكن أن نجملها فيما يلي الربا يمنع الاستثمار في المشروعات المفيدة للمجتمع إن صاحب المال يجد في النظام الربوي فرصة للحصول على نسبة معينة من الربا على ماله، وهذا يصرفه عن استثمار ماله في مشروعات زراعية أو صناعية أو تجارية تعود على المجتمع بالنفع والخير الكثير، وينصرف عن تلك المشروعات التي قد تكون ضرورية للمجتمع لأنها قد تتطلب منه جهدًا واستعدادًا لتحمل الخسارة، في حين أن صاحب المال يتمكن في النظام الربوي من الحصول على هذا الربح دون مشقة أو خسارة، وهكذا يكون الربا مصدرًا لتوقف الأموال عن خدمة المجتمع، ومِن ثَمَّ يترتب على ذلك انخفاض الإنتاج التدابير الواقية من الربا، لفضل إلهي الربا يؤدي إلى ارتفاع الأسعار يرجع ارتفاع الأسعار في العالم اليوم بحد كبير إلى النظام الربوي السائد اليوم، فلا يرضي صاحب المال إذا استثمر ماله في زراعة أو صناعة أو شراء سلعة أن يبيع سلعته أو الشيء الذي أنتجه إلا بربح أكثر من نسبة الربا، وكلما زاد الربا كلما ارتفعت الأسعار كثيرًا، هذا إذا كان المنتج أو التاجر صاحب المال، وأما إذا كان المنتج أو التاجر ممن يقترض بالربا فإن ارتفاع أسعار منتجاته شيء طبيعي، حيث سيضيف إلى نفقاته ما يدفعه من الربا الربا يؤدي إلى انتشار البطالة يتسبب الربا في انتشار البطالة، وذلك لأن أصحاب الأموال يفضلون إقراض أموالهم بالربا على استثمارها في إقامة المشروعات المختلفة، وهذا بلا شك يقلل من فرص العمل، فتنتشر البطالة نتيجة لذلك، وقد بين بعض علماء الغرب أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين البطالة والتعامل الربوي، وذلك واضح من اعتراف أحد علماء الغرب حيث يقول من مصلحتنا أن نخفض سعر الربا إلى درجة نتمكن من تشغيل الناس جميعًا التدابير الواقية من الربا لفضل إلهي ص ثانيًا الأضرار الاجتماعية إن للربا أضراراً اجتماعية خطيرة نجملها فيما يلي استغلال حاجة الآخرين إن التعامل الربوي يقوم على أساس استغلال حاجة الآخرين حيث ينتظر المرابي المحتاجين إلى ماله ليس ليساعدهم، بل ليجد فريسة تحقق رغباته في امتصاص دماء الآخرين، فهو يعطيهم بالربا قروضًا ثم لا يهمه أن يربح المقترض أم لا، بل المهم عند المرابي أن يحصل على أكبر قدر ممكن من المال ربًا على ماله، ولذلك فإن الربا يذهب المعروف بين الناس حيث لا يجد المحتاج من يواسيه أو يقرضه قرضًا حسنًا، وهذا كله يترك آثارًا سيئة في قلب المحتاج، فينشأ الحقد والغضب في قلبه نحو الأغنياء المرابين الذين يستغلون حاجة الفقراء إلى المال، وهذا يجعل الفقير المحتاج الذي اقترض بالربا يعمل بتهاون وكسل لأنه يعلم أن ما سيكسبه بكَدِّه وسعيه سيسلبه المرابون الظالمون، فتقل رغبتهم في العمل ومن ثَمَّ يضعف الإنتاج التدابير الواقية من الربا، لفضل إلهي . الربا يؤدي إلى التشاجر والحروب بين الناس لما كان النظام الربوي يقوم على أساس الاستغلال، فكان من الطبيعي أن تحدث المشاجرات بين أفراد المجتمع الواحد، ولأجل هذا الاستغلال فإنه في كثير من الأحيان لا يريد من كان عليه دين أن يدفع ما يجب في ذمته من أصل أو ربا إلا مكرهًا فتكون الخصومات والمشاحنات بين الدائن والمدين، وكان العرب في الجاهلية يتعاملون بالربا، فيحصل بسببه محاربات عظيمة، وفي الوقت الحاضر قد أدى التعامل بالربا إلى احتلال بعض الدول الغنية دولاً فقيرة بحجة ضمان أموالها والمحافظة عليها التدابير الواقية من الربا لفضل إلهي. الربا يؤدي إلى تقسيم المجتمع إلى طبقات إن النظام الربوي يؤدي إلى خلق الطبقية بين الناس في المجتمع الواحد، ويؤدي إلى اختلال التوازن بينهم، وذلك لأن المقترض غالبًا ما يكون من المحتاجين والمقرض يكون من الأغنياء أصحاب رؤوس الأموال، فيزداد الغني ثراءً والمحتاج فقرًا، وكل هذا لأن المال محصور بين أيدي طائفة قليلة من الأثرياء، ومِن ثَمَّ تكون مواجهة بين طبقة الفقراء وطبقة الأغنياء في المجتمع الواحد ثالثًا الأضرار النفسية للربا إن للربا أضرارًا نفسية خطيرة، وذلك لأنه يولد في الإنسان حب الأثرة والأنانية، فلا يعرف المرابي إلا نفسه، ولا يهمه إلا مصلحته، فتنعدم بذلك روح التضحية والإيثار، وتنعدم معاني الخير بين الناس، فيصبح المرابي وحشًا مفترسًا لا هم له في الحياة إلا جمع المال وامتصاص دماء المحتاجين، وهكذا ينتشر الحقد والجشع في نفس المرابي ويقابلها البغض والكراهية للأغنياء المرابين من جانب الفقراء المحتاجين روائع البيان لمحمد علي الصابوني جـ. مراحل تحريم الربالقد مَرَّ تحريم الربا بأربع مراحل سوف أتحدث عنها بإيجاز المرحلة الأولى تبدأ بنزول قوله تعالى «وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ» الروم ، فهذه الآية الكريمة نزلت في مكة وهي كما يظهر ليس فيها ما يشير إلى تحريم الربا، وإنما فيها إشارة إلى بغض الله تبارك وتعالى للربا، وأن الربا ليس له ثواب عند الله عز وجل المرحلة الثانية وفيها نزل قوله تعالى في سورة النساء «فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا» النساء وهذه الآية مدنية وهي درس قصه الله سبحانه وتعالى علينا من سيرة اليهود الذين حُرِّمَ عليهم الربا فأكلوه فاستحقوا اللعنة والغضب من الله تعالى، وهو تحريم بالإشارة لا بالتصريح لأنه حكاية عن جرائم اليهود ليس فيه ما يدل دلالة قطعية على أن الربا محرم على المسلمين روائع البيان لمحمد علي الصابوني جـ ص المرحلة الثالثة وفيها نزل قوله تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» آل عمران وهذه الآية مدنية وفيها التصريح بتحريم الربا ولكنه تحريم جزئي لا كلي لأنه تحريم لنوع من الربا الذي يسمى الربا الفاحش، وهو الربا الذي بلغ في الشناعة والقبح الذروة العليا وبلغ في الإجرام النهاية العظمى حيث كان الدَّين فيه متزايدًا حتى يصبح أضعافًا مضاعفة، تضعف عن سداده كاهل المستدين، الذي استدان لحاجته وضرورته روائع البيان لمحمد علي الصابوني . المرحلة الرابعة وفيها نزل قوله تعالى بتحريم الربا تحريمًا كليًا، وذلك في قوله تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ» البقرة ، وظهر في هذه الآية المباركة الجامعة تحريم الربا تحريمًا قطعيًا لا فرق بين قليله أو كثيره روائع البيان لمحمد علي الصابوني . عاقبة التعامل بالربا في الدنيا والآخرة لقد حذرنا الله تعالى عاقبة التعامل بالربا فأكد ذلك نبينا محمد في سنته المطهرة، وسوف أتحدث عن عاقبة الربا في القرآن الكريم والسنة المطهرة بإيجاز أولاً عاقبة التعامل بالربا في القرآن يقول الله تعالى في كتابه العزيز «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا» البقرة قال ابن جرير الطبري قال جل ثناؤه عن الذين يأكلون الربا أنهم لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس أي الجنون في الدنيا تفسير ابن جرير الطبري ج ص قال سعيد بن جبير آكل الربا يُبعث يوم القيامة مجنونًا يُخنقُ تفسير ابن جرير الطبري.ويقول سبحانه «يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ» البقرة قال ابن كثير يخبر الله تعالى أنه يمحق الربا، أي يذهبه، إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة، كما قال تعالى «قُلْ لاَ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ» المائدة ، وقال تعالى «وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ» الأنفال ، وقال «وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ» الروم وقال جل شأنه «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ» البقرة قال ابن كثير هذا تهديد شديد ووعيد أكيد، لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار، قال ابن جريج قال ابن عباس «فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ» أي استيقنوا بحرب من الله ورسوله، وقال ابن عباس يُقالُ يوم القيامة لآكل الربا خذ سلاحك للحرب ثم قرأ «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج ص قال ابن عباس في قوله تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا»، إلى قوله «فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» فمن كان مقيمًا على الربا لا ينزعُ عنه، فحقٌّ على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع، وإلا ضَرب عنقه ثانيًا عاقبة التعامل بالربا في السُّنَّة عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي قال «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا يا رسول الله، وما هن ؟ قال «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» البخاري ح ، ومسلم ح وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال قال النبي «رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة فانطلقنا حتى أتيتنا على نهر من دم فيه رجلٌ قائم، وعلى وسط النهر رجلٌ بين يديه حجارةٌ، فأقبل الرجلُ الذي في النهرِ، فإذا أراد الرجلُ أن يخرجَ رَمَى الرجلُ بحجرٍ في فِيهِ، فردَّهُ حيثُ كان، فجعلَ كلما جاءَ ليخرجَ رَمَى في فِيهِ بحجرٍ فيرجعُ كما كان، فقلتُ ما هذا ؟ فقال الذي رأيته في النهرِ آكلُ الربا» البخاري ح وعن جابر رضي الله عنه قال لعن رسول الله آكلَ الربا، ومؤكله، وكاتبهُ، وشاهديه، وقال هُم سَواءٌ مسلم ح وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال «إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله» صحيح الجامع ح وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله «الربا سَبْعُونَ حُوبًا أيسرها أَن يَنْكحَ الرجلُ أُمِّهُ» صحيح ابن ماجه ح سبعون حوبًا الحوب الإثم، أي سبعون نوعًا من الإثم أيسرها أي أخف تلك الآثام؛ أن يجامع الرجل أمه وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي قال «ما أحدٌ أَكْثَرَ من الربا إلاَّ كانَ عاقبةُ أمرِهِ إلى قِلَّةٍ» صحيح ابن ماجه ح أكثر من الربا أي أكثر ماله وجمعه من الربا حقيقة عمل البنوك الربويةأخي القارئ العزيز لكي تتضح لك حقيقة عمل البنوك الربوية، سوف أذكر بعض أقوال أهل اللغة والاقتصاد في تعريف البنك تعريف البنك في اللغة جاء في المعجم الوسيط البنك مؤسسة تقوم بعمليات الائتمان بالاقتراض والإقراض المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية . وجاء في الموسوعة الميسرة مصرف أو بنك تطلق هذه الكلمة بصفة عامة على المؤسسات التي تتخصص في إقراض النقود موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة للدكتور علي السالوس . تعريف البنك عند علماء الاقتصاديقول الدكتور إسماعيل محمد هاشم يمكن تعريف البنك بأنه المنشأة التي تقبل الودائع من الأفراد والهيئات تحت الطلب أو لأجل، ثم تستخدم هذه الودائع في منح القروض والسلُّف موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة للدكتور علي السالوس .

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2009

أخلاقيات التعامل الاقتصادي في الإسلام

أخلاقيات التعامل الاقتصادي في الإسلام
إعداد أ / زيد بن محمد الرماني
محاضر بعمادة البحث العلمي وحدة بحوث الاقتصاد الإسلامي - جامعة الإمام ‏محمد بن سعود الإسلامية ‏
إن أحكام الشريعة الإسلامية في مختلف مرافق الحياة البشرية مرتبط بعضها ‏ببعض ، حيث تشكل وحدة متكاملة ، تنبثق عن أصل واحد هو العقيدة الإسلامية ‏‏.‏وبهذا يتبين لنا أن أحكام الاقتصاد الإسلامي متصلة بالأخلاق الإسلامية اتصالاً ‏عضويًّا ، وبالمثل فإن الأخلاق لا تنفك عن عقيدة التوحيد .‏ومن هنا نلاحظ أن أوجه ارتباط الأخلاق الإسلامية بالاقتصاد يتجلى في ذلك ‏التلاحم ما بينها وبين دعائم الاقتصاد وأهدافه .‏ويتضح ذلك من خلال عرض نماذج من التعاملات الاقتصادية في الإسلام ، ‏والأخلاقيات التي ينبغي الأخذ بها ، من مثل :‏‏
1- التسامح والتساهل :
من أخلاق الإسلام التسامح بوجه عام ، والتسامح في ‏المعاملات الاقتصادية بوجه خاص ، ويتمثل هذا التسامح في أمور متعددة منها ‏‏:
‏أ - السماحة في البيع والشراء والمطالبة بالدين ، قال عليه الصلاة والسلام : ( ‏رحم الله سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى … ) . رواه البخاري .‏
ب - إنظار المدين المُعْسر ، عملاً بقوله تعالى : ( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى ‏مَيْسَرَةٍ ) [ البقرة : 280] .
‏جـ - إقالة العقد ؛ أي الاستجابة إلى فسخه إذا رغب المشتري ذلك لظهور عدم ‏احتياجه إلى المعقود عليه مثلاً ، يقول صلى الله عليه وسلم : ( من أقال مسلمًا أقال ‏الله عثرته) . رواه أبو داود .‏‏
2- الصدق والأمانة :
وهما صفتان من صفات المؤمن بوجه عام ، ومن صفات الذي ‏يعمل في الميدان الاقتصادي بوجه خاص ، ولا يخفى ما لهاتين الصفتين من جلب العملاء على المتحلي بهما ، وغرس الثقة به في نفوس المتعاملين معه ؛ ‏ولذلك امتدح رسول الله صلى الله عليه وسلم الاقتصادي ورجل الأعمال الذي ‏يتصف بهاتين الصفتين ، فقال صلى الله عليه وسلم : (التاجر الأمين الصادق ‏مع النبيين والصديقين والشهداء ) . رواه الترمذي .
‏‏3- عدم الحلف :
الأصل أن الأيمان شُرعت لإنهاء الخصومات بتأكيد وقوع تصرف‏أو نفيه ، ولا يجوز الحلف في غير هذه المواطن ، وبناء على ذلك فليس الحلف ‏أداة للكسب ، وترويج البضائع وإقناع المشتري بها ، ولذلك قال صلى الله عليه ‏وسلم : ( إياكم وكثرة الحلف في البيع ، فإنه يُنفق ثم يمحق ) . رواه مسلم .‏‏
4- إتقان العمل :
ربى الإسلام أتباعه على إتقان العمل والإخلاص فيه ، حتى ‏أصبح الإتقان خُلُقًا من أخلاق المسلم ، حيث يقول صلى الله عليه وسلم : ( إن ‏الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ) (1) . رواه البيهقي .
ولا يخفى ما في ‏الإتقان للأعمال من تقدم اقتصادي .‏‏
5- النصيحة :
أفاضت السنة النبوية في بيان ضرورة أن ينصح المسلم أخاه ، ويبين ‏له ما يراه عند إتمام الصفقة ، وفي كل الأمور ، من عَيْب أو مزية ، من كساد أو ‏رواج ، حتى تنبني المعاملات والعلاقات على أسس ثابتة سليمة ، معيارها ‏معرفة الحقيقة وإعمال الفكر وبلوغ الاختيار غايته والوصول إلى حقيقة الرضا ‏‏.‏وبهذا العرض يتبين لنا مدى ارتباط الاقتصاد بالأخلاق الإسلامية ، وهذا عكس ما ‏فعلته الاقتصاديات الوضعية ، حيث جردت الاقتصاد من الأخلاق ، بحجة أن ‏التعامل الاقتصادي تعامل مادي محكوم بنظم وقواعد تحدده وتفرضه على الجميع ‏‏، فلا علاقة للاقتصاد بالأخلاق ، وإنما صلة الأخلاق يجب أن تتوافر بين الأفراد في ‏صلاتهم الاجتماعية .‏وهذه الفلسفة الفكرية القائمة على الفصل بين الأخلاق وبين الاقتصاد في الفكر ‏الوضعي ، بدت تهتز أركانها على أيدي بعض المفكرين الاقتصاديين ، حيث ‏بدأت أصواتهم ترتفع مطالبة بوجوب إخضاع الاقتصاد إلى المعايير والأحكام والمثل ‏الأخلاقية .
‏والله ولي التوفيق .‏
(1) صححه الألباني في ( السلسلة الصحيحة ) : ( 1113) .‏
المصدر :
مجلة التوحيد

الثلاثاء، 18 أغسطس 2009

بيـن ربا الجاهلية وربا البنوك

بيـن ربا الجاهلية وربا البنوك
بقلم فضيلة الشيخ / محمد صفوت نور الدين - رحمه الله -
الحمد للَّه رب العالمين ، أتم النعمة ، وأكمل الدين ، وأوضح للناس سبلهم التي عليها يسلكون ، فأنزل كتابـًا حفظه بقدرته ، وبينه بوحيه ، أجمل فيه الحق وفصله ، فما أجمل في موضع ؛ فصله اللَّه سبحانه في مواضع ، لكن من الناس من يُلَبِّسون على الخلق فيرتكبون المحظور الذي حرمه رب العزة سبحانه في قوله : { هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ ... } [ آل عمران : 7 ] .
هذا ، وإن أوضح قواعد الإسلام حرمة الربا ؛ لقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين @ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } [ البقرة : 278، 279 ] فترى من في قلوبهم زيغ يتبعون المتشابه ، فيقولون : إنما حرم اللَّه سبحانه الربا أضعافـًا مضاعفة لقوله في سورة (( آل عمران )) : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ @ وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } [ آل عمران : 130، 131 ] ، وإنما ذلك لأن العرب كانوا إذا أجلوا الدين جعلوا الزيادة مضاعفة لا كما يتوهم بعضهم جعلوا الأصل مضاعفـًا ، فبمرور الأعوام يكون الربا أضعافـًا لكل عام ضعف ، فإذا جعلوا في كل مائة عشرة ، فإنها بعد عام آخر تصبح عشرين ، ثم ثلاثين .. وهكذا - وليس أن تكون المائة مائتين ، ثم ثلاثمائة في كل عام ضعفـًا لأصل المال - وهذا عين الربا الذي تقوم به البنوك الربوية اليوم .
وإن المجامع الفقهية المعاصرة قررت بالإجماع حرمة الربا الصادر من البنوك الربوية ، ومن أكبرها وأقدمها مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف بمصر ، والذي انعقد مؤتمره الأول في سنة 1384 هـ بحضور جمع كبير من علماء أجلاء من كل العالم الإسلامي ، وقد جاء في قراراته :
إن السبيل لمراعاة المصالح ومواجهة الحوادث المتجددة هي أن يتخير من أحكام المذاهب الفقهية ما يفي بذلك ، فإن لم يكن في أحكامها ما يفي به فالاجتهاد الجماعي المذهبي ، فإن لم يف كان الاجتهاد الجماعي المطلق ، وينظم المجمع وسائل الوصول إلى الاجتهاد الجماعي بنوعيه ليؤخذ به عند الحاجة .
الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالاستهلاكي أو الإنتاجي.
الإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة ، والاقتراض بالربا محرم كذلك ، ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه الضرورة .
فتدبر أيها القارئ الكريم هذه الفقرة التي جاءت في قرارات المجمع منذ ستة وثلاثين عامـًا ، فهي أساس عمل المجمع .
وفي سنة 1385 هـ عقد المجمع مؤتمره الثاني بحضور مئات العلماء من جميع بلدان المسلمين ، وجاء في قراراته ما يلي : أ- الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي ؛ لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين . ب- كثير الربا وقليلة حرام ، كما يشير إلى ذلك الفهم الصحيح في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً . ج- الإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة ، والاقتراض بالربا محرم كذلك ، ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه الضرورة(1) . اهـ . من قرارات مجمع البحوث الإسلامية .
هذا ، وقد لمست إن بعض الكُتَّاب والواعظين تخيلوا صورة لربا الجاهلية ، ثم حدثوا الناس بها ، حتى ظن بعض من سمعهم أن ذلك هو حقيقة الواقع ، حيث زعموا أن الربا الذي كان محرمـًا في الجاهلية إنما هو ربا اقتراض الفقراء من الأغنياء ، وأنهم كانوا يقترضون لينفقوا على مطعمهم وملبسهم وحاجاتهم اليومية ، ورتبوا على ذلك أن الربا في القروض الإنتاجية والذي يكون الطرف المقترض فيه غنيـًّا ليس هو الربا المحرم .
وهذا كلام يخالف الشرع في حكمه ، والواقع في وضعه ، وليس له من مستند تاريخي ولا من تدبير عقلي اقتصادي . وفي ذلك نتدبر أن العرب في الجاهلية لم تكن حاجاتهم الأساسية بالتي تعجز عنها نفقة المحسنين منهم ،
وذلك للأسباب الآتية :
أ- أن حاجة الإنسان في ملبسه ( إزار ) ، فإن زاد ( فرداء مع الإزار ) ، ولم يكن لكلهم إزار ورداء ، فضلاً عن أن يكون له ملبوس على بدنه ، وآخر محفوظ في بيته ، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : (( أَوَ لكلكم ثوبان )) .
ب - أن اشتهار العرب بالبذل والكرم والعطاء يأبى أن ينسجم في فهمه مع وجود الفقراء والمحتاجين مجاورين لأصحاب الأموال من المرابين ولا يطعمونهم ، فإن العرب كانت تفخر بإطعام الطير ، فكيف لا تُطعم الإنسان ؟!
جـ - علمنا بنص خطبة حجة الوداع أن من المرابين في الجاهلية ( العباس بن عبد المطلب ) ، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته : (( ألا إن ربا الجاهلية موضوع كله ، وأول ربا ابدأ به ربا عمي العباس )) .
والنبي صلى الله عليه وسلم يصف العباس هذا بما أخرجه أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( هذا العباس بن عبد المطلب أجود قريش كفـًّا وأوصلها )) .
والحديث صححه الشيخ أحمد شاكر ، وقد جاء الحديث في (( المستدرك )) من عدة طرق .
ومعلوم أن العباس كان غنيـًّا ذا مال وفير ، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم طالبه بأن يفدي نفسه يوم بدر ويدفع فداء ابني إخوته عقيل ونوفل ، ويفدي حليفه عتبة بن عمر ، ولم يحسب من ذلك عشرين أوقية كانت معه أخذها منه المسلمون في المعركة ، فقدم فداء أربعة يوم بدر ، فكان العباس ذا مال ، وكان صاحب جود وصلة ، وكان يعامل الناس بالربا في الجاهلية .
د - أن أصحاب رءوس الأموال يحرصون عليها وعلى تنميتها ، فإن أقرضوا المعدمين بربا عجز عن السداد ولا بد ، فكيف يضاعف عليه عامـًا بعد عام وهو مفلس ، وذلك يعني أن تضيع أموال أصحاب رءوس الأموال ، وهذا ما يعرفه الاقتصاديون أنه لا يتناسب مع انتظام الأسواق ؛ لأن الفقير مفلس بوضعه ، وصاحب رأس المال يجتهد في اختيار المكان الذي يضع فيه ماله خوفـًا من الخسارة ، فضلاً عن الإفلاس ، وطمعـًا في الربح ، فلا يقرض صاحب المال ، إلا أن يأخذ الضمان الكافي الذي يحقق له عدم ضياع ماله ، وهذا ما تعمله البنوك اليوم ، وهو من بدهيات الاقتصاديين ، فكيف نتصور أن القروض الربوية في الجاهلية كانت للفقراء المعدمين .هـ أن الأموال التي كانت في يد الناس من قريش كانوا يرتادون بها الأسواق ليتاجروا بها ، ولكن ليس كل صاحب مال يجد عنده المقدرة في الاتجار بالمال ؛ لذا فإنه يعهد به إلى غيره ليضارب له فيه ، وإن قصة خديجة - رضي اللَّه عنها - وقصة خروج النبي صلى الله عليه وسلم بمالها مشهورة ومعلومة ، فكان التجار يخرجون بأموال الناس يتجرون فيها ، وقصة تجارة أبي سفيان التي كانت سببـًا في غزوة بدر ، بل وغزوة أُحد أيضـًا ، إنما كانت في تجارة أبي سفيان بأموال قريش جميعها من أصحابها يتجر لهم فيها .
فيُفهم من ذلك أنهم كانوا يعهدون بأموالهم للأغنياء يتاجرون فيها لهم ، ونفهم أيضـًا أن منهم من كان يتاجر معهم مضاربة في البيع والشراء على نصيب من الكسب يقتسمونه ، وأن منهم من كان يأخذ أموالهم يتاجر فيها على نسبة معلومة منها ، وذلك هو الربا ؛ لذا حكى القرآن الكريم عنهم في هذه الآية : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا } [ البقرة : 275 ] ، فكأن المعاملة كانت تتم في حالة واحدة ؛ يأخذ التاجر أموال هؤلاء يبيع بها بيع المضاربة ، أو يبيع بها بيع الربا .
وهذا يدلنا على أن الفقراء كانوا يقرضون الأغنياء ليتاجروا ، طامعين في أن تكسب أموالهم إما بالمضاربة ، أو الربا ، فأصحاب الأموال القليلة ( الفقراء ) هم المقرضون والتجار الأغنياء هم المقترضون ، فتنبه .
وفي ذلك يقول القرطبي في (( المُفهم )) عند شرح حديث : (( وربا الجاهلية موضوع )) : كانت لهم بيوعات يسمونها بيع الربا ، منها : أنهم كانوا إذا حل أجل الدين يقول الغريم(2) لرب الدين : أنظرني وأزيدك ، فينظره إلى وقت آخر على زيادة مقررة ، فإذا حل ذلك الوقت الآخر قال له أيضـًا كذلك ، وربما يؤدي ذلك إلى استئصال مال الغريم في نذر يسير كان أخذه في أول مرة ، فأبطل اللَّه ذلك وحرمه ، وتوعد عليه بقوله : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } [ البقرة : 275 ] ، وردهم إلى رءوس أموالهم ، وبلَّغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذلك قرآنـًا وسنة ، ووعظ الناس وذكرهم بذلك في ذلك الموطن(3) مبالغة في التبليغ ، وبدأ صلى الله عليه وسلم بربا العباس لخصوصيته بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ليقتدي الناس به قولاً وفعلاً ، فيضعون من غراماتهم ما كان من ذلك . ( انتهى من (( المفهم ).
وذكر ابن عباس : أن الجوع أصاب بعض قريش ، فقام فيهم هشام بن عبد مناف خطيبـًا ، فقال : إنكم أجدبتم جدبًا تقلون فيه وتذلون ، وأنتم أهل حرم اللَّه وأشراف ولد آدم ، والناس لكم تبع ، فقالوا : نحن تبع لك ، فليس عليك منا خلاف ، فجمع كل بني أب على الرحلتين في الشتاء إلى اليمن ، وفي الصيف إلى الشام للتجارات ، فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير ، حتى كان فقيرهم كغنيهم ، فجاء الإسلام وهم على ذلك ، فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالاً ولا أعز من قريش .
قال الشاعر فيهم :
الخالطيـن فقيـرهم بغنيهم حتى يكون فقيرهم كالكافي
فهذه عادة التكافل بين العرب من فك العاني وإطعام الجائع ، والتي كانوا يمدح بعضهم بها ويفخرون بها تتنافى تمامـًا مع ما يدعيه المدعون أن ربا الجاهلية ربا استهلاكي يأخذ فيه الفقراء من الأغنياء حتى يشتد عليهم الحال فيعجز عن السداد .
لذا كتبت تلك الكلمات رغبة في توضيح حقيقة ربا الجاهلية ، وبيانـًا ليعلم أن المجامع الفقهية التي أجمعت على حرمة ربا البنوك ما كانت غافلة عن نوع الربا اليوم ، وقد أنعم اللَّه علينا بعدد من علماء الإسلام ورجالهم يجاهدون للتخلص من الربا ، ولهم في ذلك ثمار جيدة ؛ من أهمها ظهور البنوك الإسلامية ، والتي يحاول العلمانيون وأشياعهم محاربتها والتضييق عليها .
واللَّه غالب على أمره ، وعليه فليتوكل المتوكلون .
وكتبه : محمد صفوت نور الدين
(1) انظر - رعاك اللَّه - كيف أنه حرم على المقرض أن يقرض بالربا ، فلا يباح له فعله لا في حاجة ولا في ضرورة ، ولكنه قال عن المقترض : إنه لا يرفع الإثم إلا إذا دعت الضرورة ، والضرورات خمس : هي ما يهدد : الدين ، والنفس ، والعرض ، والمال ، والعقل . فقطع بذلك السبيل على دعاوى المستحلين للربا المتأولين له ، والحمد للَّه رب العالمين .(2) والغريم هنا هو ذلك التاجر الذي يرى المال يربح عنده أو وقع في ضائقة ويرجو أن يقوم منها ليسدد ما عليه ، ولا يتصور أبدًا أن يكون فقيرًا معدمـًا يطعم أهله بمال الربا ، فهذا هو ربا الجاهلية .(3) أي في حجة الوداع في اجتماع الناس يوم عرفة .

السبت، 1 أغسطس 2009

خلاصة البيان الصادر من علماء الأزهر بمكة المكرمة عن حرمة معاملات البنوك الربوية ردًا على مفتي مصر

خلاصة البيان الصادر من علماء الأزهر بمكة المكرمة عن حرمة معاملات البنوك الربوية ردًا على مفتي مصر :

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الحكيم في شرعه، الحفيظ على دينه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المُبَلِّغ عن ربه المُبَيِّن لحكمه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربه.

أما بعد :فإن هناك حقيقة غائبة عن المجتمعات الإسلامية الآن، ولها خطورتها في تعمية السبيل أمام نهضتها من كبوتها، وكنا نظنها واضحة لدى النخبة المثقفة فيها وخاصة من أبناء الأزهر، حتى فوجئنا وفوجئ الفكر الإسلامي الحديث كله بما صدر عن فضيلة الشيخ محمد طنطاوي - مفتي مصر - بشأن شهادات الاستثمار مرة، وفوائد البنوك ومعاملاتها مرة أخرى، ثم اختلاط الفتيات بالشبان في الجامعات والمعسكرات أخيرًا ....هذه الحقيقة الغائبة تتلخص في أن الإسلام لا يمكن تطويعه لأوضاع نبتت في غير أرضه، إذ هو القيم المهيمن على ما سواه من أديان وأنظمة وقوانين.إنه قد جاء ليغير ما عليه المجتمعات من أنظمة وضعية فاسدة، اعتمادًا على بدهية إيمانية هي أن الله يعلم المصلح من المفسد، وأن كل ما يخالف تشريعه فهو هوى يفسد السموات والأرض ..

قال تعالى: ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن، بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكر هم معرضون وأن الإيمان منفي عمن لا يكون هواه تبعًا لما جاء به الشرع الحنيف.وقد نتج عن غياب هذه الحقيقة ظاهرة غريبة تحاول أن تفرض الواقع المستجلب من بيئة لا تؤمن بضوابط الوحي الخاتم على ما جاء به الإسلام من تشريعات هادفة لإخضاع الإسلام للواقع مهما كان هذا الواقع، مستخدمة أسلوب الادعاء بأن باب الاجتهاد مفتوح لمن هب ودب.وقد تعلمنا من وقائع التاريخ الحديث - منذ قدر للاستعمار أن يتحكم في بلاد المسلمين، وينحي عنهم تشريعهم - أن أعداء الدعوة الإسلامية يحاولون بشتى الطرق - بإصرار غريب متواصل - أن يغيبوا عن المجتمع الإسلامي نموذج الحياة الفاضلة العادلة، الذي تكفل سابقًا بتقدمه ومجده، وأن يعملوا على إبراز نموذج الحياة الغربية على أنه المثل الذي لا بد من السير خلفه مهما كان فيه من عورات، ولذا نراهم يثيرون بين الحين والآخر قضايا انتهى الفكر الإسلامي المستنير من قتلها بحثًا، ولكنهم يستغلون في ذلك بعض المثقفين على غير وعي منهم، وإننا لنشهد لهم بالمهارة في اختيار الضحايا ..

وهذه القضايا هي التي بثها الاستعمار الفكري في أوائل هذا القرن، إننا مازلنا على ذكر من إثارة الشكوك حول صلاحية التطبيق الإسلامي في العصر الحاضر، وما كُتب فيها من المخدوعين المغرر بهم، وما أثير في الستينيات من تطويع بعض تشريعات الإسلام للفكر الاشتراكي، حتى ظهر من يقول: إن الإسلام هو الاشتراكية، وما أثير من التشكيك في موضوع انطباق وصف الربا على فوائد البنوك وصناديق توفير البريد حتى يقال حينئذ: إن الإسلام هو الرأسمالية .

والإسلام إسلام قبل ظهور هذه المذاهب الوضعية الفاسدة .

والآن تطرح معظم هذه القضايا بنفس الحجج التي أثيرت من قبل ولكن بأسلوب آخر ..

والذي يهمنا منها الآن ما خرج علينا به الشيخ المفتي بما لم يكن في الحسبان، وبما كنا ننأى به عن الوقوع في هذه الخطيئة . إن الجديد في كلام الشيخ أن خياله قد سرح وجنح وتصور - أو صُوِّر له - أن البنوك قبل أن تنشأ في المجتمع الإسلامي جمع ولي الأمر من علماء الأمة وخبرائها واستشارهم في أنظمتها ولما وجد أن ضمائر الناس قد فسدت قرر إلغاء شرط المضاربة، وفرض على البنوك أن تحدد الفائدة مقدمًا لأن ذلك هو الذي يصلح للمجتمع.

ونسأل الشيخ: هل نظام البنوك في مصر يختلف عن بقية بنوك العالم ؟

وهل جرى لكل بنوك العالم مثل هذه المراجعة والتقويم من ولاة الأمر وهم كفار ؟

ثم متى كان هذا اللقاء بين ولي الأمر وعلماء الإسلام حين استشارهم في ذلك كما تدَّعي ؟

ومن كان ولي الأمر حين أنشيء بنك باركليز مثلاً في مصر ؟

وهل كان المجتمع الإسلامي وقت إنشاء البنوك فيه يملك قراره ؟

ألم يكن مستذلاً مقهورًا منبهرًا بالحضارة الغربية والقوة الغازية الغالبة ؟.

ومع ذلك ففي كلام المفتي مغالطات لا تخفى على ذي بصيرة، فبالرغم من أن الشيخ يعيب على من يتوقع الخسارة في عملية المضاربة بأنه متشائم نجده هنا يفترض في المجتمع فساد الضمائر ويحسب نفسه بذلك متفائلاً .

ثم إنه يُحَكِّم المصلحة العامة في النصوص بما يؤدي إلى تعطيل جميع النصوص من وجهة نظر المصالح المعتمدة على الأهواء، إن في الخمر مثلاً مصلحة ومنفعة بل فيه منافع للناس كما صرح بذلك القرآن الكريم : فيه مصلحة للناس الصانع والبائع، بل وللمتعاطي من وجهة نظره، فهل نلغي نص تحريم الخمر من أجل هذه المنافع ؟

وهكذا في الزنا وفي غيره مما فصل الشرع فيه بحكم يتعارض مع بعض الأهواء والمصالح.

ولقد توقعنا أن تنشر جريدة الأهرام التي أعلن فيها المفتي في عدد 29-5-1991حل المعاملات (البنكية) ما جاءها من ردود الغيورين على الدين من العلماء الأثبات، إذ هي التي أعلنت فتح باب المناقشة، لكنها سكتت وأغلقت الباب الذي فتحته على مصراعيه للمفتي فقط بل ولم تسمح أجهزة الإعلام الرسمية الأخرى بنشر ما يخالف وجهة نظر المفتي لأنها ملتزمة برأيه فقط، ولو كان الرأي المخالف صادرًا من الإمام الأكبر ومن مجمع البحوث الإسلامية ومن جامعة الأزهر لدرجة أن نائب رئيس تحرير الأهرام الأستاذ رجب البنا يعلن بعد كلام المفتي تأييده لرأيه ملقيًا تهمة العمل لحساب البنوك الإسلامية وشركات توظيف الأموال على كل من يعارض المفتي .

وهذا لون من ألوان الإرهاب الفكري الذي تمارسه أجهزة الإعلام ضد علماء الإسلام ودعاته.على كل فالذي يهمنا هو المسلم الذي يريد أن يرضي ربه ويريح ضميره ويعرف الشرع على حقيقته، كما يهمنا أن نبلغ عن الله، ونحذر من التمادي في معاصيه، ومن التعرض لحربه المعلنة حتى ننجو من مساءلة الله وعذابه، فالساكت عن الحق شيطان أخرس والنصيحة واجبة على كل مسلم لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.ومن هنا نقدم هذا البيان للأمة من أقدس بقعة في الأرض من جوار بيت الله العتيق، ومن علماء الأزهر الذين استنفرهم الله عز وجل ليتفقهوا في دينه ولينذروا قومهم لعلهم يحذرون.إن شريعة الإسلام محكمة خالدة، لا يعتريها تحريف ولا تبديل، إذ أحاطها الله بحفظه وقدرته، ورد عنها كيد المحرفين الذين يريدون أن يخضعوها لأهوائهم، وسخر لها من العلماء في كل جيل من ينفي عنها مغالاة الغالين وانحراف المضلين، وكم من شبهة أثارها أعداء الله على مر الأجيال فوجدت من حراس الشريعة سهامًا نافذة قضت عليها، وكم من رأي شاذ خارج عن إجماع الأمة قد فنده الراسخون في العلم، وكم من تهمة ألقيت على تشريعات الإسلام فردها الله في نحور الكائدين .

ومن البديهيات التي لا تقبل المناقشة أن فكرة البنوك مبنية أساسًا على المعاملات الربوية وأن وظيفة البنك - كما يحددها أهل الاختصاص الأمناء - ما هي إلا التعامل في الديون أو القروض أو الائتمان، ويشمل هذا التعامل شقين: الأول الاتجار في الديون والقروض والائتمان، والثاني: خلق الديون والقروض والائتمان .

والدين والائتمان هما وجها القرض، فمن وجهة نظر المدين يسمى دينًا، ومن وجهة نظر الدائن يسمى ائتمانًا، ولذا يمكننا القول إن البنوك تتاجر في النقود، ولا تتاجر بالنقود، وإنها امتداد لسلوك يهودي كان مشهورًا لدى العرب وغيرهم، حيث كان يضع اليهودي نقوده على المنضدة ليقرض المحتاج بفائدة تزداد بمضي المدة التي تبقى فيها النقود عند من يقترضها، وقد بقي اسم البنك دالاً على هذه الصورة البغيضة، ومن البديهيات أن البنوك التجارية وهي أكثر البنوك العاملة في مصر وغيرها ما هي إلا واسطة بين المودع والمقترض فهي تأخذ الوديعة من صاحبها، وتحدد له نسبة مئوية سنوية معلومة مقدمًا من قيمة هذه الوديعة، ثم تعطى الوديعة لمن يقترضها بنسبة مئوية سنوية أعلى، والفرق بين النسبتين هو الذي تربحه البنوك، ويعيش عليه العاملون فيها.

وإذا شارك البنك في تأسيس شركة أو مصنع فإنه يشتري أسهمًا محددة وبنسبة ضئيلة يحددها القانون ويفرض على البنك أن يكون الجزء الأكبر من أمواله مستخدمًا في القروض، والأوراق المالية قصيرة الأجل، يعيد خصمها - بفائدة - إذا ما احتاج إلى سيولة مالية لدى البنك المركزي .

وعلى هذا يكون من الظلم والتعسف والافتراء افتراض أو تخيل أن البنك يعمل بنظام المضاربة الشرعية، فنظام البنوك في العالم مُتَّحِد، والمضاربة الشرعية كما وضحتها كل أجيال الأمة المسلمة من العلماء والأئمة الأربعة، وكما اعترف بها فضيلة المفتي في مقالاته الأربع، وكما يعبر عنها ابن رشد في كتابه بداية المجتهد (جـ2 ص226) (أجمعوا على صفتها أن يعطي الرجل للرجل المال على أن يتجر فيه على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال أي جزء كان مما يتفقان عليه: ثلثًا أو ربعًا أو نصفا) .

وهذه الصورة المجمع عليها تشير إلى شرطين أساسيين في هذا العقد :

أولهما: أن الذي يأخذ المال يأخذه للاستثمار في التجارة أو الصناعة أو أي عمل مشروع.

ثانيهما : أن الجزء المعلوم المتفق عليه يكون من الربح لا من رأس المال، وأن هذا الجزء شائع كالثلث والربع.

وهذان الشرطان لم يخترعهما الفقهاء برأيهم أو اجتهادهم كما يدعي الشيخ المفتي، بل إن المعتمد الأساسي لهما هو النص، وهو نص عملي لا يحتاج إلى تأويل والنص ممن أرسله الله عز وجل ليبين للناس ما نزل إليهم .

وليس صحيحًا ما يقرره فضيلة المفتي بأن هذا الشرط - وهو شيوع نصيب كل المتعاقدين في الربح - ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله، وكان أولى بالشيخ وهو أستاذ سابق للكتاب والسنة في أعرق جامعة إسلامية أن يتريث ويحتاط ويبحث ولا يظهر عدم معرفته بالسنة، إذ هل يستطيع أحد أن ينكر أن الرسول  تعاقد مع أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من تمر ؟ بل هل ينكر أحد ما رواه البخاري ومسلم بأكثر من رواية النهي النبوي عن استئجار الأرض بتحديد ناحية معينة منها يكون نتاجها لصاحب الأرض ؟.

لقد أخرجا في صحيحيهما عن رافع بن خديج قال: "كنا أكثر الأنصار حقلاً فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تُخرج هذه فنهانا عن ذلك".روى مثل ذلك أيضًا أبو داود والنسائي والإمام أحمد بألفاظ متقاربة وخضع الأئمة الأربعة والظاهرية لهذه النصوص النبوية المحكمة التي بينت الحكم والحكمة معًا حيث نهى الرسول  عن ذلك لما يترتب عليه من الظلم وعدم العدل بين الشريكين، وأكدوا هذا الشرط في المزارعة والمساقاة والمضاربة وسائر الشركات، وأعتبروه شرطًا شرعيًا لا تجوز مخالفته، وليس شرطًا جعليًا للمتعاقدين حرية فيه، وأجمعوا عليه، وما كان لهم أن يفعلوا غير ذلك وهم القائلون :لا اجتهاد مع النص، يقول الإمام الأكبر الدكتور الشيخ عبد الرحمن تاج - رحمة الله عليه - ردًّا على مثل هذه الفتوى وكأنه يرد الآن على المفتي الحالي : (وإذا كان اشتراط جزء معين من الخارج لصاحب الأرض في المزارعة قد حظرته الشريعة، ونهى عنه الرسول  لما فيه من الظلم والغبن بأحد الشريكين المتعاقدين على الاشتراك في الربح والخسارة، فلماذا يُرَدُّ في وجه الأئمة الفقهاء قولهم بلزوم خلو العقد من ذلك الاشتراط الجائر الظالم، وهم لم يقولوه إلا تطبيقًا للسنة الصحيحة مدعمًا بما تدل عليه نصوصها الصريحة ؟! وكيف يسوغ لمطلع على نصوص الشريعة ومواردها أن يقول في اشتراط ربح محدد لرب المال في المضاربة إنه جائز وغير مخالف للكتاب والسنة وإن كان فيه مخالفة لأقوال الفقهاء ؟ (يلاحظ أن هذا ما قاله المفتي حرفيًّا) أَوَلا يكفي النص على حظر ذلك الاشتراط ومنعه في المزارعة فيعلم أنه محظور وممنوع في المضاربة والمساقاة وغيرهما من فروع الشركات ؟

وهل من حسن الظن بالشريعة العادلة أن يقال: إنها تمنع من الظلم والجور في شركة المزارعة وتبيح ذلك في شركة القراض ؟!).

وقد ساق الإمام الأكبر مع هذه النصوص القاطعة إجماع علماء الأمة الذين لا يجتمعون على باطل فيما قاله ابن المنذر: " أجمع كل من نحفظ من أهل العلم على إبطال القراض (المضاربة) إذا اشترط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معدودة (المغني جـ5 ص148) وعلل هذا الإجماع الإمام ابن رشد بأنه إذا اشترطت دراهم معلومة فمن المحتمل ألا يربح غيرها فيستفيد العامل، ومن المحتمل كذلك ألا يربح مطلقًا فيأخذ من رأس المال، ومن المحتمل كذلك أن يربح كثيرًا فيستفد من شُرِطَت له الدراهم .

ثم إن حصة العامل لما تعذر كونها معلومة المقدار كان لا بد أن تكون معلومة الأجزاء فإذا جهلت الأجزاء فسدت.

وإذا كان المفتي يعترض على البنوك الإسلامية الحالية في أنها لا تحدد للمودع نصيبه من الربح بنسبة النصف أو الربع ... فإننا نقول: إن هذه البنوك ليست حجة على الشرع وإذا كانت تفعل ذلك فنحن أيضًا معه، فلسنا بحمد الله ممن يحابي في دين الله أحدًا، وليست لنا مصالح خاصة تمنعنا من قول الحق والجهر به كما يدعي علينا الأهرام.

وهذا الإجماع من علماء الأمة كما يستند على النصوص الصريحة السابقة فإنه يعتمد أيضًا على القواعد الفقهية الثابتة بالتواتر، ذلك أن جعل الربح في المضاربة محددًا كعشرة من مائة يتعارض مع القاعدة الفقهية: (الضرر يزال) تلك القاعدة المأخوذة من قول النبي  في حديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري: "لا ضرر ولا ضرار من ضار ضره الله، ومن شق شق الله عليه" (رواه الدارقطني والحاكم في المستدرك).

وبذلك يتبين بما لا مجال للشك فيه أن شرط كون الربح في المضاربة جزءًا مشاعًا معلومًا من واحد صحيح لكل من المتعاقدين قد ثبت بالسنة والإجماع والقياس والقواعد الفقهية، وأن القول بغير هذا هو افتئات على الشرع ومخالفة للسنة الصحيحة وإجماع الأمة ...

أما الشبهة التي أثارها المفتي في أنه لو سلم جدلاً بهذا الشرط فإن الفقهاء قرروا في المضاربة الفاسدة أن للعامل أجر مثله، وعلى هذا يكون ما أخذه البنك من الأرباح بعد خصم النسبة المئوية التي يأخذها المودع هو أجرة المثل مهما بلغت ..

فإننا هنا لا بد أن نقول للشيخ : إن فقدان هذا الشرط لا يجعل المضاربة (فاسدة) ولكنها (باطلة) كما نص عليه العلماء الفاقهون فيما سبق .

ثم لو سلمنا جدلاً - كما هو أسلوبك - بأنها فاسدة فهل يحل للمسلم أن يقدم على عقد فاسد ؟!

إن الإجماع أيها الشيخ منعقد على أن الإقدام على العقود الفاسدة حرام، وإذا وقع وجب فسخه وإلا كان هذا العقد بعد الوقوع باطلاً، يقول ابن رشد: (واتفقوا على أن القراض الفاسد يجب فسخه ورد المال لصاحبه ) هكذا هم يتفقون على ألا يستمر الفساد لأن استمراره إصرار على مخالفة النهي النبوي ولكن فضيلة المفتي يريد أن يستمر الفساد في هذه المعاملة البنكية التي يدعي أنها مضاربة بنكية فاسدة !!.

ثم أليس في هذا الادعاء لي لأعناق الواقع الملموس؟!

فمن الذي يأخذ في الصورة التي عليها تعامل البنوك أجر المثل هل هو البنك أو المودع؟ إن الذي حدد له مبلغه هو المودع فهل نجعل صاحب المال أجيرًا عند البنك وهذا أجر مثله أو العكس هو الصحيح على رأي فضيلته ؟.

إنها معاملة ربوية واضحة مهما حاول الشيخ بظنونه وأوهامه التي ساعده عليها المغرضون، وهي معاملة متحدة في كل بنوك الدنيا لم يؤخذ فيها رأي الإسلام.الشبهة الثانية التي أثارها المفتي مبنية على فساد الذمم والضمائر لدى العاملين في البنوك فلهم أن يدعوا أن المضاربة خسرت أو ربحت قليلاً فيضيع على المستثمر ربحه بل قد يضيع ماله كله، وبناء على ذلك كان لولي الأمر أن يفرض على البنوك تحديد الربح مقدمًا وكان له أيضًا أن يُحَمِّل البنك ضمان ما عنده من مال إن تلف.وقد أشرنا سابقًا إلى هذه التهمة التي لسنا معه في وصم جميع الناس بفساد الذمم والضمائر فما زال الخير في المسلمين بحمد الله وسيظل ولا أدل على ذلك من إقبالهم واندفاعهم نحو الحلال ونفورهم من التعامل بالربا، والإسلام يفترض دائمًا في أبنائه الصلاح إلى أن يثبت عكس ذلك، وبناء على هذه الثقة يقول الفقهاء: (والعامل أمين فيما تحت يده، وإن تلف المال في يده من غير تفريط لم يضمن؛ لأنه ناب عن رب المال في التصرف فلم يضمن من غير تفريط كالمودع) (تكملة المجموع ص214، ص215).

والأئمة الأربعة والظاهرية اتفقوا على ذلك، بل صرح صاحب المغني بأنه : (متى شرط على المضارب ضمان المال أو سهمًا من الوديعة فالشرط باطل ولا نعلم فيه خلافا) (المغني ص184).

واستدلال المفتي بمسألة تضمين الإمام عليٍّ للصناع للمحافظة على أموال الناس قياس أقل ما يقال فيه إنه قياس فاسد،

لأنه أولاً: لا قياس مع النص والإجماع الذي يقول عنه ابن قدامة أنه لا يعلم فيه خلافًا،

وثانيًا: لأن مسألة تضمين الصُّنَّاع - وهي الأصل المقيس عليه - مختلف فيها عند الفقهاء، بل إن أصل إسنادها إلى عَلِيٍّ فيه مقال، ومعلوم أنه لا يجوز القياس على حكم مختلف فيه.

أما أنه حكم مختلف فيه فيقول الصنعاني في سبل السلام - جـ3 ص5 -: (اختلف أهل العلم في تضمين الصُّنَّاع فقالت طائفة: هم ضامنون إلا أن يجيء شيء غالب وهذا قول مالك .

ثم قال: وروي عن عَلِيٍّ أنه ضمن الأجير وفي إسناده مقال، ثم قال: وقالت طائفة أخرى: لا ضمان على الصناع، وروي هذا القول عن ابن سيرين وطاوس،

ثم قال: والصحيح من مذهب الشافعي أنه لا ضمان على الأجير إلا فيما تجنيه يده.

وما قيل في مسألة تضمين الصُّنَّاع يُقال في استدلاله بمسألة التسعير، ذلك أن فضيلته يقول: إن الأصل في التسعير ألا يجوز لرفض رسول الله إياه، ومع ذلك أجاز كثير من الفقهاء لولي الأمر تسعير السلع إذا غالى التجار أو احتكروا، ذلك أن الخلاف واضح في هذه المسألة بين الفقهاء وقد وضحه الشوكاني والصنعاني، ومادام هنالك خلاف في مسألة لا يجوز القياس عليها كما هو مقرر في علم الأصول.

ومما يستلفت النظر في مقال الشيخ المفتي أن في أسلوبه وأفكاره جنوحًا وتعمية:.

1 - يقول : ليست مسألة تحديد الربح وعدمه من العقائد والعبادات التي لا يجوز التغيير فيها، وإنما هي من المعاملات الاقتصادية التي تتوقف على تراضي الطرفين .

ونحن نقول: إن التفرقة في تعاليم الإسلام بين العقيدة والعبادة والمعاملة مرفوضة في الأساس، فكل نص ورد في الكتاب والسنة .

وجب على كل مسلم أن يلتزم به مهما كان مجاله وفي هذا الالتزام معنى العبودية لله تعالى، فإقامة الحد على السارق والزاني عبادة، وإعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث عبادة، والتزام العدل في المعاملات عبادة، وما قسم الفقهاء أحكام الدين إلى عقائد وأخلاق وعبادات ومعاملات إلا ليسهل على الدارس استيعابها، وإلا فهل لأي مسلم أن يغير في غير العقائد والعبادات؟

أليست هذه العبارة تحمل في طياتها تفريغ الشريعة من مضمونها في حكم حركة الحياة الاجتماعية والاقتصادية بحجة أنها ليست من العقائد ولا العبادات .؟ ثم إن مسألة التراضي بين الطرفين ليست هي الأساس في أحكام الشرع، فهل إذا تراضى رجل وامرأة على الزنا يُحَوَّل الزنا إلى مباح ؟

إن رسول الله  نهى في الصحيح عن تلقي الركبان، ومعنى هذا أن أهل الحضر كانوا يتلقون أصحاب السلع قبل أن يصلوا إلى السوق فيشترون منهم بالتراضي وبسعر يجهله صاحب السلعة فهل كان التراضي هنا مبيحًا للمعاملة أم نهى الرسول عنه بالرغم من التراضي ؟

2 - يقول الشيخ : إن شريعة الإسلام تقوم على رعاية المصالح في كل زمان ومكان وإن بدا أنها تصطدم ببعض النصوص.

ونقول: نحن لا نشك في أن شريعة الله تكفلت بمصالح الناس، ولكننا لا نشك أيضًا أن في شرع الله نفسه ما يفي بكل مصالح البشر دون تغيير أو تحريف أو تبديل، وما لم يرد في شرع الله فهو هوى ومصلحة فاسدة وهذا ما قرره الإمام الشافعي رضي الله عنه، بل قرره سائر الأئمة رضي الله عنهم.

3 - يقول: معلوم أن البنك لم يحدد الربح إلا بعد دراسة مستفيضة لأحوال الأسواق العالمية والأوضاع الاقتصادية وهو يتم بتوجيهات من البنك المركزي،

ونقول: هل يمكن للبشر أن يحيطوا بالغيب فيتوقعون كوارث ونكبات بحجمها المقدر في علم الله ؟

هل كان الاقتصاديون يتوقعون حرب الخليج وآثارها ؟

هل كانت الصين واليابان والفلبين وبنجلاديش تتوقع البراكين والأعاصير التي اجتاحتها مؤخرًا ؟

ثم كيف تفلس البنوك العالمية مع دراستها لجدوى المشاريع .

إن قصة بنك الاعتماد والتجارة الدولي ما زالت قيد البحث حتى الآن .

وقصة بنك (جمال ترست) ماثلة للأذهان.

4 - يقول: بمقتضى معرفة صاحب المال لحقه معرفة خالية من الجهالة ينظم أمور حياته .

ونقول: وهل يعتمد المسلم على ما سيأتيه من البنك ليعيش به ويترك العمل ؟

وهل يستطيع المسلم عن طريق البنك أو غيره أن يحدد رزقه وينظم أمور حياته ؟

هل هذا يتفق مع العقيدة ؟.

5 - يقول: إن حدثت الخسارة لأسباب خارجة عن إرادة صاحب العمل سيتحمل صاحب المال عند الاقتضاء ما يجب عليه منها، والذي يقرر ذلك هم رجال القضاء .

ونقول: إن العقود في الفقه الإسلامي بنيت على أسس متينة تحول دون حدوث شقاق بين المتعاقدين، لأن مهمة التشريعات ألا تترك ثغرة للتقاضي، إن أسلوب الشيخ في مقالاته غير دقيق، وغير علمي بل موهم، ويمكن أن يستند على بعض منه ذوو الأغراض السيئة والنوايا الخبيثة.

وإننا لنعجب كثيرًا ونشفق على فضيلة المفتي وعلى المسلمين إذ هو يشككهم في أمور مجمع عليها، بل تعتبر مما عُلِمَ من الدين بالضرورة، وإذا تطرق الشك إلى هذه الأمور وصل الأمر حتى إلى هدم الشريعة من الأساس، فهل يسمح لنا المفتي أن نسأله: إذا كانت معاملة البنوك ليست ربوية فما هو الربا المحرم شرعًا؟

فإذا قال: هو ما كان مبنيًا على الاستغلال

قلنا له : إن الاستغلال حكمة وليس علة، والحكم لا يدور إلا مع العلة وجودًا وعدمًا …..

كما أن لنا أن نسأله: لقد سبق له أن أفتى بحرمة هذه المعاملات في الفتوى رقم 515 لسنة 1989 فما الذي جعله يرجع عن تلك الفتوى وهي التي تساير المُجمع عليه ؟

إن أغلب الظن أن الشيخ مُضَلَّل من قِبَل جماعة درست الاقتصاد على الأسس الربوية، ولا ترى اقتصادًا يمكن أن يقوم على غيرها، وليس لها تصور للمعاملات الإسلامية الصحيحة وإنا لننصح الشيخ مخلصين أن يرجع إلى الله الذي لا تجدي عنده التبريرات ولا الاعتذارات من الأتباع بأنهم كانوا مخدوعين أو مُضَلَّلين من قبل المتبوعين، فقد سمى القرآن الكريم التابع ظالمًا ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانًا خليلاً لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً.

ننصحه أن يعلن رجوعه عن فتواه الأخيرة فليس عيبًا يُذكر ولا سيئة تُنكر أن يرجع الإنسان عن خطئه فالكمال لله وحده والعصمة للأنبياء، وكل بني آدم خَطَّاء، وخير الخطَّائين التوَّابون، ولنا في الصحابة قدوة وفي سلفنا الصالح أسوة، وقد رجع عمر بن الخطاب عن توريثه في المسألة المشتركة، ورجع ابن عباس في إباحة ربا الفضل حين تبين لهما الصواب، فالرجوع إلى الحق فضيلة والحق أحق أن يتبع.

اللهم قد نصحنا لك ولدينك، وأبرأنا ذمتنا، اللهم فاشهد وأنت خير الشاهدين.

مكة المكرمة في غرة ذي الحجة سنة 1411هـ.

المصدر: موقع الفقه الإسلامي

الخميس، 16 يوليو 2009

حكم إصدار السندات والصكوك

حكم إصدار السندات والصكوك المجيب : د. يوسف بن أحمد القاسم عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء
السؤال
أرجو أن تبينوا لي حكم إصدار السندات والصكوك..
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: قبل الجواب عن الحكم الشرعي لابد من توضيح المراد بالسندات، والصكوك أولا، فأقول: بعض المؤسسات والشركات تحتاج إلى تمويل لتغطية بعض مشروعاتها الاستثمارية،وسد حاجتها من السيولة النقدية،فتلجأ إلى طرق متعددة،من أهمها: 1- طرح أوراق مالية، تسمى السندات،وهي عبارة عن قروض، تستدينها من المؤسسات أو الأفراد،ثم تردها بفائدة سنوية أو نصف سنوية، وقد تكون هذه السندات قصيرة الأجل(سنة فأقل،وقيل: خمس سنوات فأقل)،وقد تكون متوسطة الأجل(من خمس إلى عشر سنوات)، وقد تكون طويلة الأجل(من عشر سنوات فأكثر)،وقد تكون الفائدة الربوية على السند ثابتة بنسبة من القيمة الاسمية أو بمبلغ مقطوع، وقد تكون عائمة بحسب تغير الفائدة بين البنوك(وهنا تجمع بين الربا والغرر)،وقد تكون السندات ذات فائدة زائدة على القيمة الاسمية للسند،وقد تكون السندات ذات كوبون صفري،أي يدفع المقرض أقل من القيمة الاسمية،ثم يأخذ الفرق بين ما دفعه وبين القيمة الاسمية. 2- طرح البديل الشرعي للسندات،وهي الصكوك،والمقصود من طرحها تمويل المشروعات الاقتصادية على أساس مباح،وذلك بمشاركة حملة الصكوك في ربح المشروعات الاستثمارية أو الدخل الناتج منها. وهذه الصكوك إذا كانت ملتزمة بالضوابط الشرعية،فهي جائزة فقها. أما السندات التقليدية،فكل أشكالها المشار إليها سلفا محرمة بإجماع أهل العلم، سواء كانت السندات حكومية، أو أهلية،لاجتماع نوعي الربا فيها (أعني ربا الفضل والنسيئة)،ولذا صدرت القرارات الفقهية من المجامع العلمية ولجان الفتوى في طول العالم الإسلامي وعرضه،بتحريم إصدارها وتداولها بيعاً وشراء؛ لأنها جمعت بين نوعي الربا- كما تقدم- ولأنها عبارة عن قروض بفائدة،وقد أجمع الفقهاء أن كل قرض جرَّ نفعاً فهو ربا،كما حكاه ابن قدامة وغيره،ولذا جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي ما نصه: "أولاً: إن السندات التي تمثل التزاما بدفع مبلغها مع فائدة منسوبة إليه أو نفع مشروط محرمة شرعاً من حيث الإصدار أو الشراء أو التداول؛ لأنها قروض ربوية،سواء أكانت الجهة المصدرة لها خاصة،أو عامة ترتبط بالدولة،ولا أثر لتسميتها شهادات،أو صكوكاً استثمارية أو ادخارية أو تسمية الفائدة الربوية الملتزم بها ربحاً أو ريعاً أو عمولة أو عائداً. ثانياً: تحرم أيضاً السندات ذات الكوبون الصفري باعتبارها قروضاً يجري بيعها بأقل من قيمتها الاسمية، ويستفيد أصحابها من الفروق باعتبارها خصماً لهذه السندات. ثالثاً: كما تحرم أيضاً السندات ذات الجوائز ، باعتبارها قروضاً اشترط فيها نفع أو زيادة بالنسبة لمجموع المقرضين، أو لبعضهم لا على التعيين، فضلاً عن شبهة القمار. رابعاً: من البدائل للسندات المحرمة- إصداراً أو شراءً أو تداولاً-: السندات أو الصكوك القائمة على أساس المضاربة،لمشروع أو نشاط استثماري معين، بحيث لا يكون لمالكيها فائدة أو نفع مقطوع، وإنما تكون لهم نسبة من ربح هذا المشروع بقدر ما يملكون من هذه السندات أو الصكوك، ولا ينالون هذا الربح إلا إذا تحقق فعلاً"أهـ لقد بيَّن قرار المجمع الموقف الفقهي من السندات التقليدية،وفي الوقت ذاته أعطى بديلاً للسندات،وهي الصكوك أو السندات القائمة على أساس المضاربة،مع تنبيه قرار المجمع أن تغيير اسم السند مع بقاء مضمونه لايغيِّر من الحقيقة شيئا،في إشارة واضحة أن إعطاء السندات التقليدية الصبغة الإسلامية لا يغير من حكمها الشرعي،بالضبط كتسمية الخمور بالمشروبات الروحية.. والمشكلة حين تجني بعض الهيئات الشرعية على سوق الصكوك الإسلامية،وذلك بإعطائها الصبغة الإسلامية للسندات التقليدية، ثم إذا ظهرت حقيقتها،تسللت الشكوك إلى هذه الصناعة، وربما كان ذلك سبباً في انهيار الثقة في الصكوك الإسلامية، والمشكلة ليست في الصكوك الإسلامية،وإنما في الفتاوى التي ألبست السندات لبوس الصكوك،وهي منها براء،ومن ذلك الصكوك التي تضمن فيها الجهة المصدرة لها رد رأس المال إلى حملة الصكوك عند إطفائها، وبالتالي تأخذ الصكوك حكم السندات الربوية سواء بسواء،وذلك لأن من أبرز الفروق الرئيسية بين الصكوك الشرعية والسندات: أن الصكوك الاستثمارية (سواء كانت قائمة على أساس المضاربة أو السلم...) مبنية على المخاطرة،واحتمال الربح أو الخسارة،أما السندات فهي مضمونة رأس المال والعائد، فإذا كان رد رأس المال مضمونا في الصكوك،فإنها في هذه الحالة تأخذ حكم السندات التقليدية. ومن حسن الحظ أن الذاكرة لا تنس ما أطلقه الشيخ تقي العثماني (رئيس المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة بالبحرين) حول الصكوك الإسلامية،حين قال:"إن نحواً من 85% من الصكوك الصادرة من المؤسسات المالية الإسلامية غير ملتزمة بالأحكام الشرعية..!" وقد ترك تصريحه دوياً في سوق الصكوك المحلية والعالمية،حيث تضررت الصكوك،وانخفض سوقها عام 2008م بنسبة 59% عن إجمالي نفس الفترة من عام 2007م، كما صرحت بذلك العديد من المصادر الصحفية..! والعتب ليس على الشيخ في إصدار هذا النبأ،وإنما في فيمن أعطى الشرعية لسندات ربوية باسم الصكوك. إن الصكوك الإسلامية(الحقيقية) تعزز الاستثمار الحقيقي،وتكرس الشراكة،وتساعد على تدويل المال بين الأغنياء والفقراء، ويقتسم فيها الجميع الربح والخسارة، أما السندات التقليدية،فهي تعزز من استثمار النقود في النقود ذاتها، وتهيئ لطفيليات تعيش على امتصاص الدماء الحية، وإذا كانت فكرة السندات ممنوعة من الناحية الشرعية، فمنعها اليوم أحرى، وذلك في ظل تورط السندات والسندات المعلبة في الأزمة المالية العالمية، لاسيما والعالم اليوم يبحث عن مخارج حقيقية من هذه الأزمة، والتي تركت بصمتها على العديد من الشركات العالمية والمحلية.
المصدر: فتاوى موقع الإسلام اليوم

الجمعة، 3 يوليو 2009

وسطية الإسلام الاقتصادية والنظم الوضعية


وسطية الإسلام الاقتصادية والنظم الوضعية
عبد الرحمن المراكبي
نشرت جريدة الأهرام المصرية في يوم الجمعة 9 من ربيع الأول 1430 هـ الموافق 6/3/2009م مقالاً بعنوان: (( الاقتصاد الديني ‏..‏ والاجتهادات الأكاديمية )) وقد احتوى المقال على هجوم شديد وغريب للاقتصاد الإسلامي . وقد بدأ الكاتب مقاله بقوله : " شهدت الشهور القليلة الماضية منذ انفجار الأزمة المالية والاقتصادية العالمية‏,‏ إلحاحا ممن يخلطون الدين بالسياسة والاقتصاد علي طرح نموذج الاقتصاد الديني‏,‏ وبالتحديد الاقتصاد الإسلامي كحل لهذه الأزمة .... والحقيقة أنه ليس هناك شيء يمكن تسميته بالاقتصاد الإسلامي أو المسيحي أو اليهودي أو الهندوسي أو البوذي‏,‏ فكل الديانات السماوية والوضعية ظهرت في مجتمعات بدائية تتسم اقتصاداتها بأنها اقتصادات طبيعية قائمة علي الأنشطة الأولية والاكتفاء الذاتي ".
ثم استطرد كلامه قائلاً : " وإذا كانت هناك مشاكل في البنوك‏,‏ فان هناك دائما إمكانية لمعالجتها وتطويرها وتغيير أسس عملها بصورة متوافقة مع احتياجات المجتمع والاقتصاد‏,‏ وما تقتضيه مباديء الحق والعدل ‏,‏ علي عكس النماذج الدينية التي تتسم بالجمود والتي يتم إضفاء طابع قدسي عليها وهي ليست كذلك‏ ".‏
ومما لا شك فيه أن بعض كلام الكاتب له أساس من الصحة ، وقد جانبه الصواب في كثير من كلامه ومن ذلك وصفه للنماذج الدينية بأنها تتسم بالجمود ، كما أنه قال : " والحقيقة أن إقحام الدين في الاقتصاد‏,‏ ينطوي علي إهانة للدين بربطه بمصالح ورؤي من يقومون بهذا الإقحام " ، ولا أدري هل تُعد إهانة للدين أنه ضبط جميع جوانب حياة المسلم ، و لم يترك شيئاً إلا وضع له الأسس والضوابط التي يسير عليها ؟! وإحقاقاً للحق فبالرغم من وجود الأسس الشرعية للاقتصاد في الفكر الإسلامي إلا أن مصطلح الاقتصاد الإسلامي في حد ذاته لم يظهر إلا في أوائل القرن العشرين ، وذلك رغبةً في إقامة نظام اقتصادي عصري في إطار الشريعة الإسلامية يتلائم مع احتياجات الدول الإسلامية ويساعدها على تحقيق النمو والتقدم . ويقول الكاتب : " أما القول بأن المرابحة أو المشاركة هي الحل وهي البديل لسعر الفائدة في النظام المصرفي الذي يرونه ربوياً فإنه قول مردود عليه من الناحية النظرية ومن واقع الخبرة التاريخية‏,‏ فالفائدة هي محفز الادخار‏ ... ومعدل الفائدة يتغير تبعا لحالة الاقتصاد ومعدلات الربح السائدة فيه‏,‏ بما ينفي عنها صفة الثبات القديمة التي يستند إليها البعض في وصفها بالربوية "
ونصيحتي للكاتب أن يقرأ كتاب كارثة الفائدة لجوهان فليب بتمان الذي رُشح لنيل جائزة نوبل في الاقتصاد ، وكذلك الدراسة التي أعدها الأستاذ الدكتور رفعت العوضي حول الربا بعنوان : "رؤية إقتصادية لتحريم الربا " حتى يتبين للكاتب أن الفائدة كارثة وأي كارثة ، وأن يرجع كذلك إلى فتوى المؤتمر الإسلامي الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة ، والذي ضم ممثلين ومندوبين عن خمس وثلاثين دولة إسلامية ، كلهم أجمعوا على أن الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم ، وكذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي بمكة المكرمة في مؤتمره الثاني حيث قرر أن كل زيادة أو فائدة على الدين الذي حل أجله وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تأجيله ، وكذلك الزيادة أو الفائدة على القرض منذ بداية العقد ربا محرم شرعاً .
ورداً على وصف الكاتب للنماذج الدينية بالجمود أقول : إن تعاليم الإسلام في تنظيم شئون المجتمع ليست جامدة ، بل هي تعاليم ذات هدف واضح وثابت ولكن طريق الوصول إلى هذا الهدف قابل للتغيير في ضوء ظروف كل مجتمع ، فتطبيق مبدأ صلاحية الإسلام في كل زمان ومكان يؤخذ عملياً بمراعاة المرونة حسب حاجات كل مجتمع وظروفه بما لا يتعارض مع الأحكام الشرعية ، ويمكننا القول أن للاقتصاد الإسلامي جانبين : جانب ثابت ، وآخر متغير .
فالجانب الثابت : هو عبارة عن مجموعة من المبادئ والأسس المستخرجة من الكتاب والسنة ليلتزم بها المسلمون في كل زمان ومكان بغض النظر عن درجة التطور الاقتصادي للمجتمع ، فقد وضع الإسلام الأسس الكفيلة لقيام نظام اقتصادي غير قائم على الربا ، يُحقِّق مصلحة الناس في الحياة الدنيا ، ويعين على نجاتهم في الدار الأخرى ، فالنظام الاقتصادي الإسلامي يعمل في ظل سوق حرة نظيفة خالية من : الغرر والجهالة والمنابذة والمقامرة والغش والتدليس والاحتكار والاستغلال وكل صورالمعاملات التي تؤدي إلي أكل أموال الناس بالباطل ، كما يقوم على منظومة من القيم والمثل والأخلاق مثل : الأمانة والشفافية والتيسير والتكامل والتعاون والتضامن ، وغير ذلك من المقومات المشروعة التي تحقق للإنسان الحياة السعيدة . فهذه مبادئ ثابتة غير قابلة للتغير ، ويخضع لها المسلمون في كل زمان وفي كل مكان ويلاحظ عليها أنها قليلة ، وأنها عامة لا تتجاوز الحاجات الأساسية لكل مجتمع . والأحاديث في هذا الباب كثيرة ومنها قوله صلى الله عليه وسلم « أَلاَ إِنَّ كُلَّ رِبًا مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ » (1) وقوله صلى الله عليه وسلم « الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِى بَيْعِهِمَا ، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا » (2) وقوله صلى الله عليه وسلم : « التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ». (3) وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : « نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُتَلَقَّى الْجَلَبُ(4) » (5) ، وعن ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ النَّجْشِ . (6) وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : « نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ (7) وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» (8)
أما الجانب المتغير : فهو عبارة عن الأساليب والطرق التي يستخدمها فقهاء المسلمين وعلماء الاقتصاد في كل مجتمع إسلامي لتطبيق أصول الإسلام وسياسته الاقتصادية في الواقع المعاصر ، ومن ذلك بيان العمليات التي توصف بأنها ربا أو صور الفائدة المحرمة وغير ذلك .
وخلاصة القول : أن القرآن والسنة يتضمنان الأسس والمبادئ التي يمكن أن نطلق عليها المذهب الاقتصادي الإسلامي فجوهر هذه الأسس ثابت لا يتغير، أما اشتقاق نظام اقتصادي من هذا المذهب وبناء علم اقتصاد إسلامي فإنه عمل المجتهدين من فقهاء المسلمين ، ويتمتع هذا الاشتقاق بمرونة تجعله يتفق مع ظروف الدولة الإسلامية ، وقد اتضح تدريجياً جانب المرونة في هذا النظام من خلال تطبيقه في أماكن وأزمنة مختلفة .
الاقتصاد بين الإسلام والنظم الوضعية :
إذا نظرنا للنظام الرأسمالي نجد أنه اقتصاد يقوم على الفلسفة الفردية ، وعدم تدخل الدولة في الإنتاج والتوزيع إلا في حدود ضيقة ، فالفرد هو أساس هذا النظام ، وربح الفرد ومكاسب الفرد هي الأساس ، فالكل يسعى إلى تحقيق مصلحته الفردية أولاً ، ثم بعد ذلك تتحقق المصلحة العامة المشتركة بينه وبين المجتمع .
وعلى الجانب الآخر نجد أن النظام الاشتراكي الماركسي يهدف إلى خدمة الدولة دون النظر إلى الأفراد حيث يقوم على أساس إلغاء الملكية الفردية وإباحة الشيوع على طول الخط ، فيجعل من الدولة قوة قابضة بيد فولاذية على كل وسائل الحياة الاقتصادية في المجتمع ، ويحاول المساواة في الملكية بين أفراد المجتمع ، ويرى هذا النظام عدم استقامة الحياة مع بقاء الفوارق بين الناس في المال ، أو شئون الرزق على العموم ، فالمجتمع هو الأساس ، والفرد ما هو إلا ترس في آلة المجتمع الكبرى ، فالأفراد وطموحاتهم وحقهم في التملك ، كل ذلك ليس له اعتبار في هذا النظام .
أما الاقتصاد الإسلامي فنظرته وسطية وفي غاية الاعتدال ، فلا يبيح الشيوع ، كما أنه لا يبيح إطلاق الملكية بلا حدود ، وإنما يقيد الملكيات كلها - خاصة وعامة - بقيود الشرع ، حيث ينظر إلى الفرد وإلى المجتمع بلا طغيان أو إخسار ، فيعطي الفرد حقه في التملك ، ويقر له بالملكية الفردية ، ولكن ذلك يتم بأسس وضوابط محددة ، كما أن الاقتصاد الإسلامي يراعى مصلحة المجتمع ومصلحة الفئات الضعيفة فيه ، وذلك لإقامة التوازن والعدل بين الفرد والمجتمع ، قال تعالى (( كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم )) أي : كيلا يكون الفيء دولة بين الأغنياء دون الفقراء ، والدُولةُ : اسم للشيء يتداوله القوم بينهم ، يكون لهذا مرّة ولهذا مرّة . فشتان بين نظام اقتصادي يقوم على أسس مستنبطة من مصادر الشريعة الإسلامية - القرآن والسنة والإجماع - وبين نظم اقتصادية وضعية تقوم على أسس من وضع البشر الذي يصيب ويخطئ . عالمية الاقتصاد الإسلامي :
إذا نظرنا إلى النظام الاقتصادي الإسلامي وتأملنا فيه لوجدنا أنه تتوافرفيه المعايير التي تجعله أكفأ اقتصاد معاصر :
أولاً : المرجعية الوثائقية : تتمثل المرجعية الوثائقية للاقتصاد الإسلامي في القرآن الكريم وهو أصح وأصدق وثيقة مكتوبة عرفها التاريخ ، والسنة النبوية الصحيحة ، وتراث المسلين الفكري ، والمتصفح للتراث الفقهي الإسلامي يجد العديد من الدراسات والأبحاث المتخصصة في الاقتصاد وأحكام الأموال ، ومن أبرز هذه المؤلفات كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام ، وكتاب الخراج ليحيى بن آدم ، وكتاب الخراج لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري ، والحسبة لابن تيميه ، ومقدمة ابن خلدون والتي كتبت في القرن الثامن الهجري وقبل أربعة قرون من ظهور آدم سميث أبي الاقتصاد الغربي وصاحب كتاب ثروة الأمم.
ثانياً : القبول العام للنظام : يمثل المسلمون أكثر من مليار و300 ألف نسمة ، أي : خمس سكان العالم وقد ارتضى جميعهم – عدا بعض العلمانيين – دين الإسلام بكل ما يحتويه من أسس وآداب وتعاليم ، مما يعني أن النظام الاقتصادي الإسلامي له قبول عام ضمني في إطار قبولهم للإسلام .
ثالثاً : تطبيق النظام : منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وحتى الدولة العثمانية عاشت الشعوب الإسلامية في رخاء اقتصادي طوال قرون عديدة حيث كانت تطبق تعاليم الإسلام المتعلقة بالنشاط الاقتصادي ، وقد عرفت البشرية أول وزارة للمالية في التاريخ في هذه الفترة وكانت هذه الوزارة متمثلة في " بيت مال المسلمين ", حيث أسس عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول بيت للمال وذلك بعد كثرة الفتوحات الإسلامية التي تمت في عهده ؛ وبناء على ذلك فإن الاقتصاد الإسلامي له تجربته التاريخية التي أثبتت كفاءته وعدالته ، بل إن النظام الاقتصادي الإسلامي مطبق في واقعنا اليوم وإن لم تُعلن أي دولة رسمياً أنها تطبقه ، فتطبيق المسلم للإسلام بكل ما يحتويه من أسس وأصول لا يحتاج إلى قرار من السلطة الحاكمة .
رابعاً : حيادية النظام : سبق وأن أشرنا إلى عالمية الإسلام وشموليته والتي تثبت لنا حيادية النظام الاقتصادي الإسلامي ، فالنظام الإسلامي صالح للتطبيق في جميع المجتمعات المسلمة وغير المسلمة ويتجلى ذلك في كفالة حقوق غير المسلمين ، فقد كفل الإسلام المعاملة الحسنة والرعاية الكريمة لغير المسلمين الذين يقيمون في دار الإسلام على أن يكون لهم ما للمسلمين من حقوق ورعاية واهتمام وحماية ، وعليهم ما على المسلمين من واجبات ، كما تتجلى حيادية النظام أيضاً في كفالة حرية الاعتقاد { لكم دينكم ولي دين } . ومن ذلك يتضح لنا أن الاقتصاد الإسلامي أكفأ اقتصاد يصلح للاستخدام في وقتنا الحاضر بل وفي جميع الأحيان . (9) إن المستقبل للاقتصاد الإسلامي لأن المستقبل لهذا الدين بكل ما يحتويه من أسس ومبادئ ، والذي أخبر بذلك هو الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى ، فعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِىَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِى سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِىَ لِى مِنْهَا » (10) ، وعن تَميم الدَّارِىِّ قَال سمعتُ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ « لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلاَ يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلاَمَ وَذُلاًّ يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ » (11) ومن المبشرات أن دولة كفرنسا بدأت في تدريس المعاملات المالية الإسلامية حيث افتتحت جامعة مدينة ستراسبورغ الواقعة في شرق فرنسا شعبة لتدريس المعاملات المالية والمصرفية الإسلامية في شهر يناير 2009 م ، في حين استبق المعهد الفرنسي للدراسات والعلوم الإسلامية هذه الخطوة وبدأ بتدريسها في المعهد قبل شهرين من جامعة ستراسبورغ. (12)
والله من وراء القصد
الهوامش :
_______________ 
(1) سنن أبي داود ك البيوع حـ 3336 
(2) صحيح البخاري ك البيوع حـ 2079 
(3) سنن الداراقطني ك البيوع حـ 2850 
(4) الجلب : ما يجلب للبيع أى شىء كان 
(5) صحيح مسلم ك البيوع حـ 3897 
(6) صحيح البخاري – ك البيوع حـ 6963 
(7) الحصاة : أن يقول بعتك على أنك بالخيار إلى أن أرمى بهذه الحصاة 
(8) صحيح مسلم ك البيوع حـ 3881 
(9) للاستزادة انظر كتاب : وسطية الإسلام الاقتصادية والطريق الثالث للدكتور رفعت العوضي صـ 47 – 54 
(10) صحيح مسلم ك الفتن وأشراط الساعة حـ 7440 
(11) مسند أحمد حـ 17420 
(12) المصدر : موقع الجزيرة نت - الخميس 26/1/1430 هـ - الموافق22/1/2009 م