الجمعة، 13 نوفمبر 2009

الأضحية

الأضحية 
بقلم فضيلة الشيخ محمد صفوت نور الدين
----------------------
عن البراء بن عازب ، رضي الله عنه ، قال : خرج النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يوم أضحى ، فصلى العيد ؛ ثم أقبل بوجهه ، وقال : ( إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ، ثم نرجع فننحر ، فمن صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ، ومن نسك قبل الصلاة فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من النسك في شيء ) ، وفي رواية : ( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فلا يذبح حتى ينصرف ) ، فقال أبو بردة بن نيار خال البراء : يا رسول الله فإن نسكت شاة قبل الصلاة ، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب ، وأحببت أن تكون شاتي أول شاة تُذبح في بيتي ، فذبحت شاتي ، وتغديتُ قبل أن آتي الصلاة ، وأطعمت أهلي وجيراني ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( شاتك شاة لحم ) ، قال : يا رسول الله فإن عندنا عناق لبن ؛ جذعة من المعز هي خير من شاتيْ لحم ، أفيجزئ عني ؟ قال : ( نعم ، ولن تجزئ عن أحد بعدك ) ، [ رواه البخاري ] . 
هذا الحديث رواه البخاري في اثني عشر موضعًا من ( صحيحه ) ، وروى أيضًا حديثًا في نفس القصة عن أنس ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، صلى يوم النحر ، ثم خطب ، فأمر من ذبح قبل الصلاة أن يعيد الذبح ، فقام رجل من الأنصار ، فقال : يا رسول الله جيران لي - إمّا قال : بهم خصاصة ، وإمّا قال : فقر - وإني ذبحت قبل الصلاة وعندي عناق لي أحب إليّ من شاتيْ لحم ، فرَخَّص له فيها ، قال أنس ، فلا أدري أبلغت رخصة من سواه أم لا . 
ورَوى أيضًا عن جندب بن سفيان البجلي قال : ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أضحياه ذات يوم ، فإذا أناس قد ذبحوا ضحاياهم قبل الصلاة ، فلما انصرف رآهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد ذبحوا قبل الصلاة ، فقال : ( من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى ، ومن كان لم يذبح حتى صلينا فليذبح على اسم الله ) .
فهذه الأحاديث الثلاثة التي رواها البخاري بطرق متعددة ، لعظم الفوائد المستنبطة منها ، فهي دالة على مسائل هامة ، منها : أن الصلاة قبل الخطبة ، وهذا في العيدين خلافًا للجمعة .
وقال في ( الفتح ) : قال الزين بن المغيرة : الصلاة ذلك اليوم هي الأمر الأهم ، وأن ما سواهما من الخطبة ، والنحر والذكر ، وغير ذلك من أعمال البر يوم النحر فبطريق التبع ، وصلاة العيد ركعتين يكبر في الأولى سبعًا ، وفي الثانية خمسًا قبل القراءة ، قال ابن دقيق العيد : وجميع ما له خطب من الصلوات ، فالصلاة مقدمة فيه إلا الجمعة وخطبة يوم عرفة . 
وقت صلاة العيد 
في ( الفتح ) قال ابن بطال : أجمع الفقهاء على أن صلاة العيد لا تصلى قبل طلوع الشمس ولا عند طلوعها ، وإنما تجوز عند جواز النافلة . ( انتهى ) . 
وقال البغوي في ( شرح السنة ) : ويستحب أن يغدو الناس إلى المصلى بعدما صلوا الصبح لأخذ مجالسهم ويكبرون ؛ ويكون خروج الإمام في الوقت الذي يوافي فيه الصلاة وذلك حين ترتفع الشمس قيد رمح ، ثم المستحب أن يعجل الخروج في الأضحى ويؤخر الخروج في الفطر قليلاً . ( انتهى ) . 
وليس لصلاة العيد أذان ولا إقامة ، وهي تؤدى في الجماعة ، وليس المسجد شرطًا في صحتها ، ويؤمر الناس بالاجتماع فيها ، ويشهدها النساء ، حتى الحيض يشهدنها ، ويعتزلن الصلاة رغبة في شهود الخير ، ويكبر الناس في المنازل والطرقات والأسواق حتى يبلغوا المصلى ، فيكبرون مع الناس ، وفي الحديث عن أم عطية : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نُخْرِجَ في العيد العواتق وذوات الخدور وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين . 
قال ابن دقيق العيد : والمقصود بيان المبالغة في الاجتماع وإظهار الشعار . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل يوم الفطر قبل الصلاة لحديث أنس عند البخاري : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ، ويأكلهن وترًا ، أما يوم الأضحى فهو يوم أكل وشرب ، كما جاء في حديث البراء عند البخاري ، وهو يوم يشتهى فيه اللحم ، كما في حديث أنس ، فلعل هذا يشير أن الأكل إنما يكون من الأضحية . 
أما حديث بريدة : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يَطْعَم ، ولا يَطْعَم يوم الأضحى حتى يصلي . 
فالحديث وإن أخذ الفقهاء بما دلّ عليه إلا أن أسانيده لا تَسْلَم من مقال . ( قاله ابن حجر في الفتح ) . ثم قال : قال ابن المنير : وقع أكله صلى الله عليه وسلم في كل من العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتها الخاصة بهما ، فإخراج صدقة الفطر قبل الغدو إلى المصلى وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها ، واجتمعا من جهة وافترقا من جهة أخرى . ( انتهى ) . 
قال في هامش ( شرح السنة ) : قال الحاكم في ( المستدرك ) : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي على تصحيحه وصححه ابن حبان وابن القطان . وصلاة العيد ركعتان بغير أذان ولا إقامة ، ولا يصلى قبلها ولا بعدها ؛ يكبر في الأولى بعد تكبيرة الإحرام سبعًا ، وفي الثانية بعد تكبيرة الانتقال خمسًا ، يرفع اليدين في كل تكبيرة ، يقرأ بعد الفاتحة في الأولى : ( ق وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيد ) ، وفي الثانية ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَر ) ، أو يقرأ بعد الفاتحة في الأولى : ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) ، والثانية : ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ) ، ويُسن أن يأتي من طريق ويرجع من آخر . وفي الحديث الأمر بالأضحية وفضلها وحكمها ، أما عن فضلها وثوابها ، فلقد أخرج الترمذي وابن ماجه عن عائشة مرفوعًا : ( ما عمل ابن آدم من عمل يوم النحر أحب إلى الله ، عز وجل ، من هراقة الدم ، وإنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها ، وإن الدم يقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض فطيبوا بها نفسًا ) ( 1 ) . 
أما عن حكمها : فلقد اختلف أهل العلم بين الوجوب والندب : الأضحية والعقيقة والهدي أفضل من الصدقة بثمنها ، وهي من النفقة المعروفة ، فيضحى عن اليتيم في ماله ، وتأخذ المرأة من مال زوجها ما تضحي به عن أهل البيت وإن لم يأذن في ذلك ، ويضحي المدين إذا لم يطالب بالوفاء . 
قال العيني في ( العمدة ) : قال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وعلقمة والأسود والشافعي وأبو ثور : لا تجب فرضًا لكنها مندوب إليها ، من فعلها كان مثابًا ، ومن تخلف عنها لا يكون آثمًا ، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وأبي مسعود البدري وبلال . 
قال الليث وربيعة : لا نرى أن يتركها الموسر المالك لأمر الأضحية ، وقال مالك : لا يتركها ، فإن تركها بئس ما صنع ، إلا أن يكون له عذر - ثم قال العيني - وتحرير مذهبنا ، أي : الأحناف ، ما قاله صاحب ( الهداية ) : الأضحية واجبة على كل مسلم حر مقيم موسر في يوم الأضحى عن نفسه وعن ولده الصغار . 
ودليل القائلين بالندب حديث أم سلمة مرفوعًا : ( من رأى هلال ذي الحجة منكم وأراد أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره ) ، والتعليق بالإرادة ينافي الوجوب . ودليل القائلين بالوجوب حديث ابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعًا : ( من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا ) ، ومثل هذا الوعيد لا يلتحق بترك غير واجب . 
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : أما الأضحية فالأظهر الوجوب ، ( ثم قال ) : ونُفَاة الوجوب ليس معهم نص ، فإن عمدتهم قوله صلى الله عليه ، وسلم : ( من أراد أن يُضحي ) ، قالوا : فالواجب لا يتعلق بالإرادة ، وهذا كلام مجمل ، فهو كقوله : ( إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ) [ المائدة : 6] ، وقد قدروا فيه إذا أردتم القيام ، وقدروا : إذا أردت القراءة فاستعذ ، والطهارة واجبة ، وقوله : ( من أراد أن يُضحى ) ، كقوله : ( من أراد الحج فليتعجل ) ، ووجوبها حينئذ مشروط بأن يقدر عليها ، فاضلاً عن حوائجه الأصلية كصدقة الفطر ، فليس كل أحد يجب عليه أن يضحي ، وما نقل عن بعض الصحابة أنه لم يضحِ ، بل اشترى لحمًا ، فقد تكون مسألة نزاع كما تنازعوا في وجوب العمرة ، وقد يكون من لم يصحِ لم يكن له سعة في ذلك العام . 
وأراد بذلك توبيخ أهل المباهاة الذين يفعلونها لغير الله ، أو أن يكون قصد بتركها ذلك العام توبيخهم ، فقد ترك الواجب لمصلحة راجحة ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتُقام ، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب … ) ، فكان يهم أن يدع الجمعة والجماعة الواجبة لأجل عقوبة المتخلفين ، فإن هذا من باب الجهاد الذي قد يضيق وقته ، فهو مقدم على الجمعة والجماعة . ( انتهى مختصرًا ) . 
الأضحية بالخصي عن عائشة وأبي هريرة ، رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يُضحي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين ، فذبح أحدهما عن أمته لمن شهد لله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ ، وذبح الآخر عن محمد وآل محمد صلى الله عليه وسلم . [( صحيح ابن ماجه ) ] . 
المؤجوء : هو الخصي . 
قال البغوي : كره بعض أهل العلم الموجوء لنقصان العضو ، والأصح أنه غير مكروه ؛ لأن الخصاء يفيد اللحم وينفي الزهومة ، وسوء الرائحة ، وذلك العضو لا يؤكل . وقال الخطابي : وفي هذا دليل على أن الخصي من الضحايا غير مكروه . 
وقال القرطبي : والجمهور على أنه لا بأس أن يُضحي بالخصي ، واستحسن بعضهم إذا كان أسمن من غيره ، ورخص مالك في خصاء ذكور الغنم ، وإنما جاز ذلك ؛ لأنه لا يقصد به تعليق الحيوان بالدين لصنم يُعبد ولا لرب يوحد ، وإنما يقصد به تطييب اللحم فيما يؤكل وتقوية الذكر إذا انقطع أمله عن الأنثى . 
اختيار الأضحية 
قال ابن القيم : وكان من هديه صلى الله عليه وسلم ، اختيار الأضحية واستحسانها وسلامتها من العيوب ، ونهى أن يُضَحّي بعضباء الأذن والقرن ؛ أي مقطوعة الأذن ومكسورة القرن ، النصف فما زاد ، وأمر أن تستشرف العين والأذن ، أي ينظر إلى سلامتها ، وأن لا يضحى بعوراء ولا مقايلة ، التي قطع مقدم أُذنها ، ولا مدابرة ، التي قطع مؤخرة أذنها ، ولا شرقاء ، التي شقت أذنها ، ولا خرقاء ، التي خرقت أذنها، قال تعالى : ( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب ) [ الحج : 32] ، ومن تعظيمها استحسانها واستسمانها والمغالاة في أثمانها ، وقال تعالى : ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون ) [ آل عمران : 92] ، فما كان أحب إلى المرء إذا تقرب به إلى الله تعالى كان أحب إلى الله تعالى . 
قال بعض السلف : لا يهدي أحدكم لله تعالى ما يستحي أن يهديه لكريمه ، وقال تعالى : ( وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ) [ البقرة : 267] . وفي حديث البراء بن عازب في ( الموطأ ) ، و ( السنن ) مرفوعًا : لا يُضحي بالعرجاء بَيِّن ظلعها ، ولا العوارء بَيِّن عورها ، ولا بالمريضة بّيِّن مرضها ، ولا بالعجفاء التي لا تنقي . 
قال ابن عبد البر : أما العيوب الأربعة المذكور في هذا الحديث فمجمع عليها ؛ لا أعلم خلافًا بين العلماء فيها ، ومعلوم أن ما كان في معناها داخل فيها ، فإذا كانت العلة في ذلك قائمة ، ألا ترى أن العوراء إذا لم تجز في الضحايا فالعمياء أحرى ألا تجوز وإذا لم تجز العرجاء فالمقطوعة الرجل أحرى ألا تجوز ، وكذلك ما كان مثل ذلك كله ، قال القرطبي عند قوله تعالى : ( وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ الْأَنْعَامِ ) [ النساء : 119] ، ولما كان هذا من فعل الشيطان وأثره ، أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُستشرف العين والأذن ولا نضحي بعوراء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء . ( ثم قال ) : والعيب في الأذن مُرَاعى عند جماعة العلماء . 
الأنعام التي يُضحي بها 
ولا يجزئ في الأضحية إلا من الغنم والمعز والبقر والإبل بإجماع ، ولكن اختلفوا في الأفضل منها ، أما الشافعي ففضل الإبل ، ثم البقر ، ثم الكباش ، وأما مالك فوافق الشافعي في الهدي ، وقال بعكس ذلك في الأضحية ، ففضل الكباش ، ثم البقر ، ثم الإبل ، وسبب الاختلاف ورود حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بالكبش ؛ ولأن الله فدى إسماعيل بذبح عظيم . 
قال ابن كثير : الصحيح الذي عليه الأكثرون أنه فدي بكبش . قال ابن تيمية في الضحايا والهدايا : لما كان المقصود الأكل كان الذَّكر أفضل من الأنثى . ( انتهى ) . 
يعني أنه في الزكاة لما كان المقصود الدر والنسل كان الواجب في الإناث غالبًا دون الذكور ، فلما كان في الأضحية المقصود اللحم فضل الذكر لذلك . 
قال القرطبي عند قوله تعالى : ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) [ الصافات : 107] : في هذه الآية دليل على أن الأضحية بالغنم أفضل من الإبل والبقر ، وهذا هو مذهب مالك وأصحابه ، قالوا : أفضل الضحايا الفحول من الضأن ، وإناث الضأن أفضل من فحل المعز ، وفحول المعز خير من إناثها ، وإناث المعز خير من الإبل والبقر ، وحجتهم : ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) [ الصافات : 107] . 
( ثم قال ) : وقال بعضهم : لو عَلِمَ حيوانًا أفضل من الكبش لفدى به . 
· السن المجزئة : ويجزئ في الأضحية والهدي والفدو والعقيقة الثني من الأصناف الأربعة ؛ الغنم ، والمعز ، والبقر ، والإبل ، كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجذعة من الغنم . هذا ومسنة الإبل ما له خمس سنين ، ومن البقر ماله سنتان ، وكذلك المعز ، وقال بعض أهل العلم في المعز ماله سنة ، وجذعة الغنم . ما زادت عن الستة أشهر . 
الذبح : 
ويستحب أن تنحر الإبل مستقبلة القبلة قائمة معقولة اليد اليسرى والبقر والغنم يضجعها على شقها الأيسر مستقبلاً بها القبلة ، ويقول : بسم الله ، والله أكبر ، اللهم منك ولك ، اللهم تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك . 
ويستحب للمضحي أن يتولى ذبح أضحيته بنفسه إن كان يحسن الذبح ؛ لأنه عبادة وقربة ، واقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم ، حيث ذبح أضحيته بنفسه ، وذبح هديه ، وإن لم يتولَ ذبحه بيده ، فالأفضل أن يحضر عند ذبحه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة : ( احضري أضحيتك يغفر لكِ بأول قطرة من دمها ) . 
· تقسيمها : 
يستحب أن يأكل ثلثًا ويتصدق بثلث ويهدي بالثلث ذلك إذا لم يكن هناك سبب يوجب التفضيل ، وإلا فلو قدر كثرة الفقراء لاستحببنا الصدقة بأكثر من الثلث ، وكذلك إذا قدر كثرة من يهدي إليه أكثر من الفقراء ، وكذلك الأكل ، فحيث كان أخذ بالحاجة أو المنفعة ، كان الاعتبار بالحاجة والمنفعة بحسب ما يقع . ·  
وقت الأضحية : 
اتفق العلماء على أنه لا يجوز الذبح قبل طلوع الشمس ، وواضح من الأحاديث المذكورة حديث البراء بن عازب ، وحديث أنس بن مالك ، وحديث جندب بن سفيان كلها دالة على أن من ذبح قبل الصلاة فليست أضحية إنما هي لحم قدمه لأهله ، فإن كان المضحي في غير مصر يصلي فيه العيد ، فإن وقت الأضحية بقدر مضي وقت الصلاة بعد ارتفاع الشمس قدر رمح ، وقد اشترط قوم أن يكون ذبحه بعد الإمام سواء كان في المصر أو في القرى ، وهو قول الشافعي . 
ويمتد وقت الأضحية إلى غروب الشمس من آخر آيام التشريق ، وهو قول الشافعي وجماعة ، وذهب غيرهم إلى أن وقت الأضحية يوم النحر ، ويومان بعده . 
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لأبي بردة بإجزاء التضحية بالعناق ، قال ابن القيم في ( أعلام الموقعين ) : وأما تخصيصه أبا بردة بن دنيار بإجزاء التضحية بالعناق دون من بعده فلموجب أيضًا ، وهو أنه ذبح قبل الصلاة متأولاً غير عالم بعدم الإجزاء ، فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن تلك ليست بأضحية ، وإنما هي شاة لحم أراد إعادة الأضحية ، فلم يكن عنده إلا عناق هي أحب إليه من شاتي لحم ، فرخص له في التضحية بها لكونه معذورًا ، ولقد تقدم منه ذبح تأول فيه ، وكان معذورًا بتأويله ، وذلك كله قبل استقرار الحكم ، فلما استقر الحكم لم يكن بعد ذلك يجزئ إلا ما وافق الشرع المستقر . وبالله التوفيق . 
وقال ابن دقيق العيد : وقد صرح في الحديث بتخصيص أبي بردة بإجزائها في هذا الحكم عما سبق ذبحه ، فامتنع قياس غيره عليه . 
هذا ؛ وأحاديث وقت الذبح غير السابقة منها حديث جابر عند مسلم جاء فيه : فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر ، ولا ينحروا حتى ينحر النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي ( الموطأ ) عن عويمر بن الأشقر بإسناد صحيح أنه ذبح ضحيته قبل أن يغدو يوم الأضحى ، وأنه ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يعود بضحية أخرى . 
متى يقص المضحي شعره وظفره ؟ 
روى مسلم عن أم سلمة ، رضي الله عنها : قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كان له ذبح يذبحه ، فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي ) . 
قال النووي : قال سعيد بن المسيب ، وربيعة ، وأحمد ، وإسحاق ، وداود ، وبعض أصحاب الشافعي : إنه يحرم عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية ، وقال الشافعي وأصحابه : هو مكروه كراهة تنزيه ، وقال أبو حنيفة : يكره ، واختلفت الرواية عن مالك . 
· فوائد : وفي الحديث فوائد هامة : منها ، قال ابن دقيق العيد : فيه دليل على أن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر لم يعذر فيها بالجهل ، وقد فرقوا في ذلك بين المأمورات والمنهيات ، فعذروا في المنهيات بالنسيان والجهل . 
( ثم قال ) : وفرق بينهما بأن المقصود من المأمورات : إقامة مصالحها ، وذلك لا يحصل إلا بفعلها ، والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحانًا للمكلف بالانكفاف عنها ، وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها ، ومع النسيان والجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي فعذر بالجهل فيه . 
فائدة : قال العيني في ( العمدة ) : إن السلف كانوا لا يواظبون على أكل اللحم دائمًا ؛ لأن للحم ضراوة كضراوة الخمر .

الأربعاء، 11 نوفمبر 2009

كذب من ادعى أن النبى صلى الله عليه وسلم مدفون فى مسجده

كذب من ادعى أن النبى صلى الله عليه وسلم مدفون فى مسجده
بقلم فضيلة الشيخ : محمد على عبد الرحيم - رحمه الله - **************
1. روى مالك فى الموطأ عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد . اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). 2. روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ، والذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) . 3. وفى الحديث الصحيح عن ابن عباس قال : (لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) . فتاوى باطلة : درج بعض العلماء فى هذا العصر ، ومن يخول لهم بالحديث أو الفتوى فى وسائل الأعلام ، إما مجاراة للعامة ، أو إرضاء للصوفية ، ضاربين بالنصوص الصريحة عرض الحائط - فأفتوا بإباحة اتخاذ القبور مساجد ، معتمدين على آرائهم الشخصية ، دون استناد الى دليل من سنة أو حجة من قرآن .والله يقول : ( فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ) (149:الأنعام). نشرنا هذا المقال فى عدد المحرم عام 1408. وقد طالبنا كثير من القراء بإعادة نشره لأهميته ، واستجابة لهم نعيد نشره . ولهذا اعتقد كثير ممن زاروا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . أن القبر الشريف هو الأصل فى اتخاذه مسجدا ، كذبا وزورا . وإذا نادينا بتحريم ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من اتخاذ قبور البدوي والدسوقي والحسين رضى الله عنه وغيرهم مساجد قال العلماء الرسميون : إننا متشددون ، وإن النبى مدفون فى المسجد . فهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من المتشددين حينما حرم ولعن من اتخذوا القبور مساجد ؟ فقد قال أكثر من مرة (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهن مساجد . ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، إنى أنهاكم عن ذلك) قالت عائشة : ولولا ذلك لأبرز قبوره . رواه البخارى وغيره . أفبعد هذا التحذير الشديد يفتى علماء اليوم فى التلفاز وفى الصحافة وفى الإذاعة ، بما يصطدم بقول نبى الهدى صلى الله عليه وسلم ؟ لقد سألنا كثير ممن شاهدوهم أو سمعوهم يفتون بتحليل ما حرم الله ، فلم يصدقوا ومنهم من تبلبلت أفكارهم بفتاوى لم يقم دليل بصحتها . وحجتهم أن النبى صلى الله عليه وسلم مدفون فى مسجده . ومن المناسب أن نذكر فى هذا البحث ، فتوى تحق الحق وتبطل الباطل ، فقد وجه مدير الشئون الدينية بالإذاعة المصرية عام 1957 إلى فضيلة الشيخ حسن مأمون مفتى الجمهورية رحمه الله تعالى سؤالين يتناولان أمرين هامين هما زيارة الأضرحة والطواف حولها والتوسل بها ، والنذر لها . فأجاب فضيلة المفتى الأسبق ، بما أبرأ ذمته ، وصدع بالحق دون تحيز أو ميل إلى طائفة أو إلى وظيفته التى تحكم مرتبه أو دنياه . س - ما حكم الشرع فى زيارة الأضرحة والطواف حولها وتقبيلها والتوسل بالأولياء ؟ جـ - أود أن أذكر أن أصل الدعوة الإسلامية يقوم على التوحيد ، والإسلام يحارب جاهدا كل ما يقرب الإنسان من مزالق الشرك بالله ، ولا شك أن التوسل بالأضرحة والموتى أحد هذه المزالق وهو من رواسب الجاهلية . ثم قال المفتى رحمه الله تعالى : فلو نظرنا إلى ما قاله المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما نعى عليهم عبادتهم للأصنام ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى )( 3:الزمر ) فهى نفس الحجة التى تساق اليوم للتوسل بالأضرحة لقضاء حاجة عند الله أو التقرب منه . ثم قال : ومن مظاهر هذه الزيارات أفعال تتنافى كلية مع عبارات إسلامية ثابتة . فالطواف فى الإسلام لم يشرع إلا حول الكعبة الشريفة ، وكل طواف حول أى مكان آخر حرام شرعا . والتقبيل فى الإسلام لم يشرع إلا للحجر الأسود . وحتى الحجر الأسود قال فيه عمر رضى الله عنه وهو يقبله : (والله لولا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك . فإنك حجر لا تنفع ولا تضر) . س - هل يجوز النذر لغير الله ؟ جـ - أجاب المفتى رحمه الله تعالى بقوله : وردت الآيات صريحة فى أن النذر لا يجوز إلا لله . والنذر لغير الله شرك لأن النذر عبادة والعبادة لله وحدة . انتهى . هذا ما أفتى به الشيخ حسن مأمون مفتى الجمهورية الأسبق عام 1957 فليرجع إليها المخالفون لها . فلا تزال شرذمة فمن ينتسبون إلى العلم ، أو تغلب عليهم عقائد الصوفية : تناسوا ما أخذ الله عليهم من ميثاق الكتاب ، فكتموا ما أنزل الله . وقالوا على الله ورسوله غير الحق ، ودرسوا كل ذلك فيما درسوه من آيات الله البينات ومن سنة المعصوم صلى الله عليه وسلم . ولكن غلبت الأهواء ، وأقلبت الدنيا على بعض العلماء وذوى الوجاهات فأعرضوا عن النصوص الصريحة ، مجاراة للعامة أو إرضاء للخاصة ، وتجلى ذلك فيما نراه فى المساجد ذات القبور ، من البدع الشركية والضلالات . فالإسلام جاء لتجريد التوحيد الخالص من كل الترهات والجهالات باسم الأولياء . وإليكم إزالة الشبهة حول قبر الرسول صلى الله عليه وسلم : الذى يدعى كثير من العلماء بأنه عليه الصلاة والسلام مدفون فى مسجده . هذا مغالطة مكشوفة من العلماء ، فيها تزييف للتاريخ ومسخ للحق ، ونصر للباطل لسببين : 1- أن بدعة وضع الأضرحة فى المساجد ، أو اتخاذ القبور مساجد ، لم يعهدها المسلمون فى القرون الأولى ، إلا فى عهد (العبيديين : الفاطميين) فى القرن الرابع الهجرى وهم الذين سنوا السنة السيئة مغالاة فى حب الصالحين . وبذا تبطل حجة من يدعى من العلماء والمتصوفة أن الأضرحة فى المساجد مضى عليها أربعة عشر قرنا من الزمان . وهذا كذب وافتراء أو جهل بالتاريخ . 2- أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين قبل موته (نحن الأنبياء ندفن حيث نقبض) ولما أحس صلى الله عليه وسلم بقرب أجله ، استأذن نساءه فى أن يمرض بحجرة عائشة . ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى ، ودفن صلى الله عليه وسلم فى حجرة عائشة لا فى مسجده . وظل قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مصونا لم يدخل المسجد ، فى التوسعة التى قام بها عمر للمسجد عام 17 هـ . ثم جاءت زيادة عثمان عام 24 هـ ولم يدخل القبر ولا البيت ضمن المسجد . وظل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فيه قبره الشريف منفصلا عن المسجد ، حتى جاء الوليد بن عبد الملك فى عهد الأمويين (وهم أعداء لأبناء على بن أبى طالب رضى الله عنه ) . متى ضم القبر الشريف إلى المسجد كان العداء شديدا بين خلفاء بنى أمية ، وبين أبناء الحسن والحسين رضى الله عنهما . وكان الوليد بن عبد الملك بن مروان ظالما غشوما ، اتخذ من مسجد الرسول الله صلى الله عليه وسلم وسيلة لخدمة سياسته . فلما حج عام 80 هجرى بعد أن آلت إليه الخلافة زار المدينة المنورة ، وخطب الناس يوم الجمعة ، وبعد الصلاة لم يقبل عليه أهل المدينة للسلام عليه . وحانت منه التفاتة إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا بالحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب ترنو إليه الأنظار محبة وتقديراً واحتراما ، وكانت تسكن معه فى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجه فاطمة بنت الحسين رضى الله عنهم أجمعين . فعز على الوليد ألا يحفل به الناس وألا يهتموا به بصفته خليفة المسلمين . وتمكن منه الحقد على أبناء على بن أبى طالب ، وعمل على تشتيتهم من المدينة ، واستعمل المكر والخديعة فى ذلك . فأعلن أنه يريد تجديد المسجد النبوى الشريف وتوسعته . وأصدر أمره إلى أمير المدينة بهدم المسجد ، وإضافة بيت الرسول كله بما فيه القبر إلى المسجد بحجة توسعته. ولما قيل للحسن بن الحسن وزوجه فاطمة بنت الحسين : لابد من الرحيل من البيت : أبيا أن يخرجا مع ذريتهما . فأرسل الوليد : إن لم تخرجوا هدمناه على رءوسكم . وتم تنفيذ أمر الوليد ، وانتقل أبناء الحسن إلى الحيرة بالعراق . وتمت التوسعة الثالثة للمسجد بعد ضم البيت الشريف إليه وذلك عام 88 هـ. ومن هذا يتضح أن قرار الوليد بتوسعة المسجد النبوى عمل لم يرد به وجه الله تعالى ، ولكن للكيد لأحفاد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لا يكون لهم قرار بالمدينة ، فالعمل إذن سياسى وانتقامى لا يمت إلى الدين بشئ. وغنى عن البيان أن هذا العمل أثار سخط المسلمين . فقد روى عن نصار الخرسانى قال : (أدركت حجرات الرسول صلى الله عليه وسلم من جريد على أبوابها المسوح من شعر أسود ، فحضرت أمر الوليد بن عبد الملك بإدخال حجرات النبى صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، فما رأيت يوما اشتد فيه البكاء من ذلك اليوم) يقصد البكاء على تشتيت آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان سعيد بن المسيب حيا يرزق فقال : (والله لوددت أنهم تركوها على حالها) يعنى حجرات النبى صلى الله عليه وسلم . هذا ولما تم بناء المسجد جاء الوليد من دمشق إلى المدينة وأخذ يتجول فى المسجد معجبا فخورا ببناء المسجد بالزخرفة التى أدخلت عليه ، مما لم يكن للمسلمين عهد ببناء المساجد المزخرفة والقباب على طريقة الكنائس . وكان أبان بن عثمان بن عفان رضى الله عنه لا يزال حيا فأخذ الوليد بيده وطاف بالمسجد وقال لأبان رضى الله عنه (أين بناؤنا من بنائكم)؟ فكان جواب أبان على الفور (لقد بنيناه بناء المساجد ، وأنتم بنيتموه بناء الكنائس). فبهت الوليد . وكانت الكلمة كالصاعقة فى أذنه - لأن توسعة عمر ثم عثمان للمسجد الشريف كانت مستوحاة من بساطة الإسلام فى عمارة المساجد دون أن تخالطها الزخارف والحمرة والصفرة والألوان التى تشغل المصلى ، وتخرجه عن الخشوع . وكانت المساجد فى الصدر الأول من الإسلام كجامع عمرو بن العاص والمسجد النبوى ومسجد على بالكوفة ، كانت تنطق ببساطة الإسلام وقوته. ثم خلف من بعدهم خلف اهتموا بزخرفة البنيان مع ضعف الإيمان . من هذا البحث يتضح لعلمائنا فى العصر الحديث أن القبر الشريف أدخله للمسجد حاكم ظالم لا ينبغى أن يتخذ فعله حجة لإقامة باطل - ألا فليتقوا الله بدون تحريف أو تزييف والله المستعان. محمد على عبد الرحيم مصادر البحث: 1- وفاء الوفا بأخبار المصطفى . 2- الرحلة الحجازية . 3- البداية والنهاية. 4- منزل الوحى لهيكل باشا وزير المعارف سابقا.

إزالة اللبس حول قبر النبي صلى الله عليه وسلم ‏

إزالة اللبس حول قبر النبي صلى الله عليه وسلم ‏
بقلم فضيلة الشيخ / محمد علي عبد الرحيم ‏
**************
‏1-روى مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ‏‏(اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد . اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم ‏مساجد ) .‏ ‏2-روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم : (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ، والذين اتخذوا ‏قبور أنبيائهم مساجد ) .‏ ‏3-وفي الحديث الصحيح عن ابن عباس قال : لعن الله زائرات القبور والمتخذين ‏عليها المساجد والسرج ) .‏ فتاوى باطلة :‏ درج بعض العلماء في هذا العصر ، ومن يخول لهم بالحديث أو الفتوى في وسائل ‏الإعلام ، بحكم مركزهم الرسمي ، أن يستحسنوا بدعًا محرمة في الدين ، إما ‏مجاراة للعامة ، أو ارضاءً للصوفية ، ضاربين بالنصوص الصريحة عرض الحائط - ‏فأفتوا بإباحة اتخاذ القبور مساجد ، معتمدين على آرائهم الشخصية ، دون ‏ استناد إلى دليل من سنة أو حجة من قرآن . والله يقول : ( فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ) . ‏ وإذا نادينا بتحريم ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من اتخاذ قبور البدوي ‏والدسوقي والحسين رضي الله عنه وغيرهم مساجد قال العلماء الرسميون : إننا ‏مشددون .‏ فهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشددين حينما حرم ولعن من اتخذوا ‏القبور مساجد ؟‏ فقد قال أكثر من مرة (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . ألا ‏فلا تتخذوا القبور مساجد ، إني أنهاكم عن ذلك ) قالت عائشة : ولولا ذلك لأبرز ‏قبره . رواه البخاري وغيره .‏ أفبعد هذا التحذير الشديد يفتى علماء اليوم في التلفاز وفي الصحافة وفي الإذاعة ، ‏بما يصطدم بقول نبي الهدى صلى الله عليه وسلم ؟‏ لقد سألنا كثير ممن شاهدوهم أو سمعوهم يفتون بتحليل ما حرم الله ، فلم يصدقوا ‏ومنهم من تبلبلت أفكارهم بفتاوى لم تقم دليل بصحتها . وحجتهم أن النبي صلى ‏الله عليه وسلم مدفون في مسجده .‏ ومن المناسب أن نذكر في هذا البحث ، فتوى تحق الحق وتبطل الباطل ، فقد وجه ‏مدير الشئون الدينية بالإذاعة المصرية عام 1957 إلي فضيلة الشيخ حسن مأمون ‏مفتى الجمهورية رحمه الله تعالى سؤالين يتناولان أمرين هامين هما زيارة ‏الأضرحة والطواف حولها والتوسل بها ، والنذر لها .‏ فأجاب فضيلة المفتى الأسبق ، بما أبرأ ذمته ، وصدع بالحق ، دون تحيز أو ميل ‏إلى طائفة أو إلى وظيفته التي تحكم مرتبه أو دنياه .‏ س- ما حكم الشرع في زيارة الأضرحة والطواف حولها وتقبيلها والتوسل بالأولياء ‏‏؟‏ جـ- أود أن أذكر أن أصل الدعوة الإسلامية يقوم على التوحيد ، والإسلام يحارب ‏جاهدًا كل ما يقرب الإنسان من مزالق الشرك بالله ولا شك أن التوسل بالأضرحة والموتى أحد هذه المزالق وهو رواسب جاهلية . ثم قال المفتي رحمه الله : فلو نظرنا إلى ما قاله المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما نعى عليهم عبادتهم للأصنام : ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) فهي نفس الحجة التي تساق اليوم للتوسل بالأضرحة لقضاء حاجة عند الله أو التقرب منه . ثم قال : ومن مظاهر هذه الزيارات أفعال تتنافى كلية مع عبادات إسلامية ثابتة . فالطواف في الإسلام لم يشرع إلا حول الكعبة الشريفة ، وكل طواف حول أي مكان آخر حرام شرعًا . والتقبيل في الإسلام لم يشرع إلا للحجر الأسود . وحتى الحجر الأسود قال فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يقبله : (والله لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك . فإنك حجر لا تنفع ولا تضر ) . س - هل يجوز النذر لغير الله ؟ جـ - أجاب المفتي رحمه الله تعالى بقوله : وردت الآيات صريحة أن النذر لا يجوز إلا لله . والنذر لغير الله شرك لأن النذر عبادة والعبادة لله وحده . انتهى . هذا ما أفتى به الشيخ حسن مأمون مفتى الجمهورية الأسبق عام 1957 وهذه الفتوى مسجلة بدار الإفتاء ضمن فتاوى عام 1957 فليرجع إليها المخالفون لها . فلا تزال شرذمة ممن ينتسبون إلى العلم ، أو تغلب عليهم عقائد الصوفية تناسوا ما أخذ الله عليهم من ميثاق الكتاب ، فكتموا ما أنزل الله ، وقالوا على الله ورسوله غير الحق ، ودرسوا كل ذلك فيما درسوه من آيات الله البينات ومن سنة المعصوم صلى الله عليه وسلم . ولكن غلبت الأهواء ، وأقبلت الدنيا على بعض العلماء وذوى الوجاهات فأعرضوا عن النصوص الصريحة ، مجاراه للعامة أو إرضاء للخاصة ، وتجلى ذلك فيما نراه في المساجد ذات القبور ، من البدع الشركية والضلالات . فالإسلام جاء لتجريد التوحيد الخالص من كل الترهات والجهالات باسم الأولياء .‏ وإليكم إزالة الشبهة حول قبر الرسول صلى الله عليه وسلم : الذي يدعى كثير من ‏العلماء بأنه عليه الصلاة والسلام مدفون في مسجده .‏ هذه مغالطة مكشوفة من العلماء ، فيها تزييف للتاريخ ومسخ للحق ، ونصر ‏للباطل لسبين :‏ ‏1-أن بدعة وضع الأضرحة في المساجد ، أو اتخاذ القبور مساجد ، لم يعهدها ‏المسلمون في القرون الأولى . إلا في عهد (العبيديين : الفاطميين) في القرن الرابع ‏الهجري وهم الذين سنوا السنة السيئة مغالاة في حب الصالحين . وبذا تبطل حجة ‏من يدعى من العلماء والمتصوفة أن الأضرحة في المساجد مضى عليها أربعة عشر قرنًا ‏من الزمان . وهذا كذب وافتراء أو جهل بالتاريخ .‏ ‏2-أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين قبل موته (نحن الأنبياء ندفن حيث نقبض) ‏ولما أحس صلى الله عليه وسلم بقرب أجله ، استأذن نساءه في أن يمرض بحجرة ‏عائشة . ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى ، ودفن صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة لا ‏في مسجده . وظل قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مصونا لم يدخل في المسجد ، في ‏التوسعة التي قام بها عمر للمسجد عام 17 هـ (أنظر الرسم التوضيحي لمسجد ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم والزيادات التي أدخلت عليه ) . فقد وسع عمر ‏المسجد من جميع الجهات ما عدا الجهة الشرقية التي فيها بيت النبي وقبره ‏الشريف حتى لا يدخل القبر بالمسجد .‏ ثم جاءت زيادة عثمان عام 24 هـ ولم يدخل القبر ولا البيت ضمن المسجد . ‏ وظل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فيه قبره الشريف منفصلا عن المسجد ‏‏، حتى جاء الوليد بن عبد الملك في عهد الأمويين (وهم أعداء لأبناء علي بن أبي ‏طالب رضي الله عنه) .‏ متى ضم القبر الشريف إلى المسجد ‏ كان العداء شديدًا بين خلفاء بني أمية ، وبين أبناء الحسن والحسين رضي الله ‏عنهما . وكان الوليد بن عبد الملك بن مروان ظالمًا غشومًا اتخذ من مسجد الرسول ‏صلى الله عليه وسلم وسيلة لخدمة سياسته .‏ فلما حج عام 80 هجري بعد أن آلت إليه الخلافة زار المدينة المنورة ، وخطب ‏الناس يوم الجمعة ، وبعد الصلاة لم يقبل عليه أهل المدينة للسلام عليه . وحانت ‏منه التفاتة إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا بالحسن بن الحسن بن ‏علي بن أبي طالب ترنو إليه الأنظار محبة وتقديرًا واحترامًا ، وكانت تسكن معه ‏في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجه فاطمة بنت الحسين رضي الله عنهم ‏أجمعين . فعز على الوليد ألا يحفل به الناس وألا يهتموا به بصفته خليفة ‏المسلمين . وتمكن منه الحقد على أبناء علي بن أبي طالب ، وعمل على تشتيتهم من ‏المدينة ، واستعمل المكر والخديعة في ذلك . فأعلن أنه يريد تجديد المسجد النبوي ‏الشريف وتوسعته . وأصدر أمره إلى أمير المدينة بهدم المسجد ، وإضافة بيت ‏الرسول كله بما فيه القبر إلى المسجد بحجة توسعته .‏ ولما قيل للحسن بن الحسن وزوجه فاطمة بنت الحسين : لابد من الرحيل من ‏البيت : أبيا أن يخرجا مع ذريتهما . فأرسل الوليد : إن لم تخرجوا هدمناه على ‏رءوسكم . وتم تنفيذ أمر الوليد ، وانتقل أبناء الحسن والحسين إلى الحيرة بالعراق ‏‏. وتمت التوسعة الثالثة للمسجد بعد ضم البيت الشريف إليه وذلك عام 88 هـ .‏ ومن هذا يتضح أن قرار الوليد بتوسعة المسجد عمل لم يرد به وجه الله تعالى ، ‏ولكن للكيد لأحفاد الرسول صلى الله عليه وسلم ، حتى لا يكون لهم قرار بالمدينة ‏‏، فالعمل إذن سياسي وانتقامي لا يمت إلى الدين بشئ .‏ وغنى عن البيان أن هذا العمل أثار سخط المسلمين . فقد روى عن نصار الخراساني ‏قال : (أدركت حجرات الرسول صلى الله عليه وسلم من جريد على أبوابها المسوح ‏من شعر أسود ، فحضرت أمر الوليد بن عبد الملك بإدخال حجرات النبي صلى الله ‏عليه وسلم إلى المسجد ، فما رأيت يومًا اشتد فيه البكاء من ذلك اليوم ) يقصد ‏البكاء على تشتيت آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم .‏ وكان سعيد بن المسيب حيًا يرزق . فقال : ( والله لوددت أنهم تركوها على حالها ) ‏يعني حجرات النبي صلى الله عليه وسلم .‏ هذا ولما تم بناء المسجد جاء الوليد من دمشق إلى المدينة وأخذ يتجول في المسجد ‏معجبًا فخورًا ببناء المسجد بالزخرفة التي أدخلت عليه ، مما لم يكن للمسلمين ‏عهد ببناء المساجد المزخرفة والقباب على طريقة الكنائس . وكان أبان بن عثمان بن ‏عفان رضي الله عنه لا يزال حيًا . فأخذ الوليد بيده وطاف بالمسجد وقال لأبان رضي ‏الله عنه (أين بناؤنا من بنائكم) ؟ فكان جواب أبان على الفور (لقد بنيناه بناء ‏المساجد ، وأنتم بنيتموه بناء الكنائس) .‏ فبهت الوليد . وكانت الكلمة كالصاعقة في أذنه - لأن توسعة عمر ثم عثمان ‏للمسجد الشريف كانت مستوحاة من بساطة الإسلام في عمارة المساجد دون أن ‏تخالطها الزخارف والحمرة والصفرة والألوان التي تشغل المصلى ، وتخرجه عن ‏الخشوع . وكانت المساجد في الصدر الأول من الإسلام كجامع عمرو بن العاص ‏والمسجد النبوي ومسجد علي بالكوفة ، كانت تنطق ببساطة الإسلام وقوته .‏ ثم خلف من بعدهم خلف اهتموا بزخرفة البنيان مع ضعف الإيمان .‏ من هذا البحث يتضح لعلمائنا في العصر الحديث أن القبر الشريف أدخله للمسجد ‏حاكم ظالم لا ينبغي أن يتخذ فعله حجة لإقامة باطل - ألا فليتقوا الله بدون ‏تحريف أو تزييف والله المستعان .‏
محمد علي عبد الرحيم ‏
مصادر البحث :‏
‏1-وفاء الوفا بأخبار المصطفى .‏ 2- الرحلة الحجازية .‏ ‏3- البداية والنهاية .‏ ‏4- منزل الوحي لهيكل باشا وزير المعارف سابقًا .‏

الثلاثاء، 10 نوفمبر 2009

دفن النبى صلى الله عليه وسلم في مسجده عمل سياسى وافتراء على الدين

دفن النبى صلى الله عليه وسلم في مسجده عمل سياسى وافتراء على الدين لفضيلة الشيخ محمد على عبد الرحيم
كلما دعونا إلى تنظيف الإسلام من الشوائب التى علقت به، أو إزالة الوثنيات التى ألصقها به القبوريون - إنبرى أهل البدع والخرافات للدفاع عن ضلالة لحقت بالدين. وكلما قرعنا الباطل بالحجج الدامغة، والبراهين الساطعة، وقف أهل الباطل للدفاع عن باطلهم بلا حجة أو دليل. وكلما صدعنا بالحق مؤيداً بالنصوص الصريحة، أن بدعة الموالد ليست من الإسلام وأن اتخاذ القبور مساجد فيه خطر كبير يشوه محاسن الدين، ويوقع المسلمين في وثنية حذرهم منها نبيهم صلى الله عليه وسلم - قامت قيامة من لهم مصلحة ذاتية من وراء قبور المساجد بالدفاع عن باطلهم، واتخذوا من تصرفات وزارة الأوقاف في عهد وزير سابق، يحتل مركزاً مرموقاً بين علماء المسلمين - حجة ما أنزل الله بها من سلطان، فأحل حراماً يستوجب لعنة الله تعالى. نحن نعلم أن وضع القبور في المساجد، أمر يشوه جلال الدين، ويقوض دعائم التوحيد. ولذلك جاءت وصايا المعصوم صلى الله عليه وسلم تنهى عن ذلك، كما أن اللوائح الصحية بمصر، لا تسمح باتخاذ المساجد قبوراً، من الناحية الصحية والاجتماعية، ولكن هذا الوزير، خالف الوصايا النبوية، واللوائح الصحية وصرح بنقل رفات اثنين من رجال الصوفية، من مقبرة عامة بالإسكندرية ليوضع كل منهما في مسجد يسمى باسمه، ويغشاه أبناء طريقتهم، وزيادة في هذه المشاقة لله ورسوله، اشترك الوزير بنفسه في جنازة مصطنعة، لم يقصد منها الموعظة والاعتبار، ولكن للفخر والمباهاة ورفع شأن هذه الطريقة التى تقدس مشايخها، وتخلع عليهم كرامات من نسج الخيال، تنافى سنن الله الكونية، مصدر هذه الكرامات المكذوب اختراع الدراويش ليذاع اسم شيخهم بين الناس فتنذر له النذور وتشد إليه الرحال. كما يتحدى الحق، ويقف مؤيداً لهذه الطرق عالم يشار إليه بالبنان، هو فضيلة الشيخ الباقورى الذى يقرهم على ما يصنعون، ولو كان في ذلك مشاقة لله ورسوله. يقف الشيخ الباقورى - نسأل الله لنا وله الهداية والتوفيق - مدافعاً عن وضع القبور بالمساجد، مدعيا أن النبى صلى الله عليه وسلم مدفون في مسجده وفي رأيه إن لا حرج على اتخاذ القبور مساجد كما نشره في جريدة الأخبار بالعدد 4 جمادى الأولى سنة 1396 هـ، وقد ناقشنا هذه الدعوى في عدد مجلة التوحيد لشهرى جمادى الأولى وجمـادى الآخرة 1396. غير أن إدعاء الشيخ الباقورى أن النبى صلى الله عليه وسلم- دفن في مسجده - أمر خطير يحدث البلبلة في نفوس المسلمين - وخاصة من يقصد منهم الصلاة في المسجد النبوى الشريف. وزيادة في توضيح هذه المسألة نقول:- أن إضافة بيت النبى صلى الله عليه وسلم الذى يضم القبر الشريف، إلى المسجد النبوى، لم يكن عملاً دينياً، بل كان عملاً سياسياً يراد به التمكين لبنى أمية وتشتيت آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيداً عن المدينة. فالعداوة كانت مستحكمة بين بنى أمية الذين يتولون الخلافة بدمشق، وبين آل بيت النبى صلى الله عليه وسلم الذين يتمثلون في أبناء الحسن والحسين وذريتهما رضى الله عنهـما. لم يقض انتصار نبي أمية، وتنازل الحسن لمعاوية، ثم قتل الحسين رضى الله عنهما - على مركز بيت النبوة من أبناء على رضى الله عنه، الذين يرون أنهم أصحاب حق في الخلافة، بل كان بنو أمية يتربصون بهم الدوائر، ويعملون على تشتيتهم وعدم استقرارهم حتى لا يلتف الناس حولهم، وحتى يصفو الجو لهم بلا منازع ينازعهم في الخلافة. وكان أبناء فاطمة وحفدتها في بيت جدتهم وبيت أبيها صلى الله عليه وسلم بجوار المسجد النبوى الذى يضم القبر الشريف بحجرة عائشة التى هى جزء من البيت. وقدم الوليد بن عبد الملك بن مروان حاجاً بعد ولايته للخلافة، وزار المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام، وفيما هو يخطب الناس بالمسجد حانت منه التفاتة إلى ناحية بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا بالحسن بن الحسن بن على رضى الله عنهم يرمقه الناس تقـديراً واحتراماً، فلما انتهى الوليد من خطـبته قال لأمير المدينة حينذاك " عمر بن عبد العزيز" لا أرى هذا الإنسان في هذا المكان بعـد، استر هذا الموضـع وأدخل بيـت النبى ( الذى يضم القبر الشريف ) في المسجد بدعوى أنه يريد بناء المسجد من جديد، وإجراء التوسعة فيه. وقد جاء في بعض الروايات أن الحسن بن الحسن بن على، وفاطمة بنت الحسين وذريتها أبوا أن يخرجوا من البيت النبوى الشريف حينما علموا بأمر الوليد، فأرسل إليهم: إن لم تخرجوا منه هدمته عليكم فلما أصروا على إبائهم أمر بهدمه عليهم وفيه الحسن وفاطمة من ذرية الحسن والحسين، ونزع العمال أساس البيت وهم فيه، وهددوهم قائلين( إن لم تخرجوا قوضناه ) فخرجوا وتم تنفيذ أمر الوليد بن عبد الملك بضم بيت النبى ( ومعلوم أنه يضم قبره الشريف ) إلى المسجد، ثم انتقل بعد ذلك آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحيرة بالعراق. من هذا يتضح أن قرار الوليد بن عبد الله بتوسعة المسجد النبوى لم يكن بباعث من دين، ولكن لأبعاد ذرية فاطمة الزهراء على أبيها أفضل الصلاة والسلام عن المسجد وتشتيتهم، حتى لا يحاطوا في المدينة برعاية أو تكريم، وحتى لا تقوم لهم قائمة. روى عن نصار الخراساني قال: ( أدركت حجرات النبى صلى الله عليه وسلم من جريد على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت أمر الوليد بن عبد الملك بإدخال حجرات النبى صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فما رأيت يوماً اشتد فيه البكاء أكثر من ذلك اليوم ( يقصد البكاء على تشتيت آل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام ). وكان سعيد بن المسيب حياً يرزق فقال ( والله لوددت أنهم تركوها على حالها ) يعنى حجرات بيت النبى صلى الله عليه وسلم. والحق يقال في هذه القصة: أن الوليد أمر بذلك غضباً على أبناء فاطمة رضى الله عنها، فأمر بهدم حجرة فاطمة ثم سائر حجرات بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، ليتخذ من توسعة المسجد حجة يتذرع بها للنيل من أعدائه ذرية فاطمة الزهراء رضى الله عنها وكان ذلك عام 88 هـ. وليكن معلوماً أن توسعة المسجد النبوى، سبق إليها كل من عمر وعثمان رضى الله عنهما، فكانت توسعة عمر عام 17 هـ، وتوسعة عثمان عام 24 هـ، وكلتاهما كانت من الجهة الغربية والشمالية، وتزيد توسعة عثمان من الجهة الجنوبية، أما الشرقية التى يقع فيها قبر الرسول وبيته فلم يمساها حتى لا يدخل القبر في المسجد الشريف. ولما تم بناء المسجد جاء الوليد من دمشق إلى المدينة، وأخذ يتجول في المسجد معجباً ببنائه وبالزخرفة التى أدخلت عليه مما لم يكن للمسلمين عهد به في بناء المساجد - وإنما كان اقتباساً مما في الكنائس شاهده العمال العرب بوحى ما رأوه في الشام. وكان أبان بن عثمان بن عفان رضى الله عنه على قيد الحياة - فأخذ الوليد بيده وطاف بالمسجد بغرور وعجب، وقال: أين بناؤنا من بنائكم؟، فكان جواب ابن عثمان بن عفان: ( لقد بنيناه بناء المساجد، وأنتم بنيتموه بناء الكنائس ).. هذه الكلمة كانت كالصاعقة في أذن الوليد، لأن بناية عمر ثم عثمان للمسجد النبوى الشريف كانت مستوحاة من جلال الإسلام، الذى يوحى بالبساطة في مساجد الله دون حمرة أو صفرة أو زخرفة وغير ذلك مما يفتن الناس ويشغلهم عن الله في الصلاة. أما الوليد فقد استوحى زخرفة المسـجد، مما استوحته النصارى في كنائـسهم فجاء ( المسجد فتنة للمصلين، لأن الإسلام في صفائه برئ عن المظاهر الكاذبة، وبهذه المناسبة نذكر ما جاء في صحيح البخارى أن عمر رضى الله عنه لما هدم مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم " وكان من اللبن" لتوسعته: جلس للبناء وقال له: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس. وبذا كانت المساجد في عهد الخلفاء الراشدين وخاصة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تنطق ببساطة الإسلام وقوته، ثم خلف من بعدهم خلف اهتموا بزخرفة البنيان، مع ضعف الإيمان وخضـوعاً لأمر السلطان، والله أعلم، وهو ولى التوفيق.
مصادر المقال: 1- وفاء الوفا بأخبار المصطفى للسهودى. 2- مرآة الحرمين لإبراهيم باشا رفعت. 3- البداية والنهاية لإبن كثير. 4- الرحلة الحجازية للبتانونى.
محمد على عبد الرحيم

لم يدفن النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده

لم يدفن النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده بقلم : فضيلة الشيخ / محمد على عبد الرحيم
*************
إن تعجب فعجب قول أولئك الذين يشاقون الله ورسوله : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفون في مسجده" دفاعاً عن السنة السيئة التي احدثها الشيعة الفاطميون بمصر في القرن الخامس الهجري، مبتدئين بجمجمة مجهولة، أتى بها زنديق متقربا إلى الخليفة الفاطمي، بقوله : هذا رأس جدك الحسين. فأقام الخليفة الدنيا وأقعدها، وشيد لها المسجد المشهور بالقاهرة المسمي بمشهد الحسين (رضي الله عنه) وظل أكثر المصريين يقدسون ضريحه حتى أتى حين من الدهر واتصلت الحكومة المصرية بأكبر مصنع في برمنجهام بانجلترا، وصنع للقبر المقصورة النحاسية على الضريح المجهول، أو بالأحرى على الرأس المزيف. حقق ذلك المؤرخ المشهور أحمد زكي باشا في عام 1925م، وغيره من المؤرخين. أما المحققون من علماء الإسلام، فعلى رأسهم شيخ الإسلام احمد بن تيمية، رحمه الله تعالى، حقق ذلك في كتبه ونفى نفياً قاطعاً، أن رأس الحسين بمصر. وبمضي الزمن، اعتقد الناس أن القبر المسمى بقبر الحسين في مسجد الحسين حقيقة واقعة، والناس معذورون في هذا الوهم، لأن الحكومة وعلي رأسها وزارة الأوقاف المصرية، تشارك العامة بإقامة مولد الحسين كل عام، وللأسف الشديد نرى العلماء يشجعون هذه الخرافة ويقرون العامة على ما صنعوا. ثم سارت العدوى إلى مشايخ الصوفية - وهم طوائف لا حصر لها - فإذا مات شيخ من مشائخهم خلعوا عليه الولاية، ووصفوه (بالعارف بالله) - وكثير منهم لا يعرف لهم فضل ولا علم - واتخذوا لقبره مسجداً، يشد إليه الرحال، ويلجأ إليه في الشدائد، ويلتمس من قبره قضاء الحاجات وتفريج الكروب. وسدا لذريعة الشرك بالله لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من اتخذ أى قبر مسجداً، ولو كان نبي أو تقي. وجاءت النصوص صريحة في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذوا القبور مساجد. ولكن سدنة القبور، والذين يأكلون النذور كتموا الحق، ولم يبينوه للناس فاستحقوا لعنة الله ورسوله. أما قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فكثير ممن يزورون المسجد النبوي الشريف يعتقدون أنه عليه الصلاة والسلام مدفون في مسجده، واتخذوا من هذا الوهم ذريعة لصحة اتخاذ القبور مساجد. ومنهم شيخ للأزهر، ومنهم وزير سابق للأوقاف، ومنهم قادة للشباب، ومنهم من تصدر للفتيا بالاذاعة والتليفزيون، وكل هؤلاء يتناسون قول المعصوم صلى الله عليه وسلم :- 1) عن عطاء بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه مالك في الموطأ. 2) وروي أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. 3) وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها : أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور. فقال (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح - أو العبد الصالح - بنوا على قبره مسجد وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله). 4) وفي الصحيحين عن عائشة قالت : لما نزل (بضم النون للبناء للمجهول) برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه (وهذا في مرضه الأخير صلى الله عليه وسلم) فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك : لعنة الله على اليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا قالت : ولولا ذلك أبرز قبره (بضم الهمزة) غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً. هذه النصوص الصريحة كتمها الذين أضلهم الله على علم، فضلوا وأضلوا، لأنهم شرار الناس كما جاء في حديث ابن مسعود السابق ذكره. وهم في ذلك ينطبق عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم (ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) وقال تعالى ( لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ)) [النحل:25]. ولقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم اتخاذ القبول مساجد، سداً لذريعة الشرك، وقد حصل ما خافه النبي صلى الله عليه وسلم من الضراعة عندها بل ومنهم من يسجد لها. وأكثر من يزور هذه القبور يرجون ما لا يرجون من الله تعالى. هذا الحق الواضح لا يبينه أئمة المساجد ذات القبور، خشية أن يفقدوا المنافع الدنيوية الممثلة في النذور التي يقدمها الدهماء والجهلة من الناس في الموالد وكلما زاروا ضريحاً لا يسمع ولا يجيب. وهم أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون. وكلما نصح الناصح قيل له ((أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ))[يونس:62] وما دروا أن ولي الله هو الذي يحيا على طاعة الله تعالى. يجمع بين صحة الايمان والعمل الصالح، والخلق الحسن، طعامه طيب وخلقه طيب، ان جالسته نفعك،وان جاورته نفعك، وان عاشرته نفعك بعلمه وخلقه وسلامة عقيدته. يخرج من هذا الدجالون من رجال الطرق، الذين يتظاهرون بالصلاح، ويأكلون أموال الناس بالباطل. فالذين يعتقدون صحة اتخاذ القبور مساجد، كلما زاروا المسجد النبوي الشريف، ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم مدفون في مسجده جريا على عادة رجال الطرق،ومن على شاكلتهم ممن يحرفون الكلم عن مواضعه. والحقيقة التي لا مرية فيها، والتي دونتها السنة الشريفة، وسجلها التاريخ، هي أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن في حجرة عائشة رضي الله عنها، التي مرض فيها ففاضت روحه الطاهرة بها. حين علم عنه صلى الله عليه وسلم قبل وفاته أن الأنبياء يدفنون حيث تقبض أرواحهم. ومن أجل ذلك دفن في حجرة عائشة رضي الله عنها. والسبب في عدم دفنه في المسجد هو نهيه صلى الله عليه وسلم، عن ذلك كما أسلفنا. وكان صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على اتباعه، كما أنهم أشد حباً له، ومع ذلك فلم يدفنوه بالمسجد تكريماًً له، كما يفعل المبتدعون في اتخاذ القبور مساجد مغالاة في حب الصالحين. ودفن مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك صاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ولما قتل عثمان أريد دفنه معهما. فقالت عائشة : لا أتخذ حجرتي مقبرة بعد الآن، ولم توافق على دفن عثمان مع الشيخين. وفي عام 17 هـ ضاق المسجد بالناس. فأجري عمر بن الخطاب رضي الله عنه، التوسعة الأولي من اللبن غير أنه وضع أساسه من الحجر، فأنكر عليه بعض الصحابة أن يحدث بدعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ما أردت إلا الخير، أردت منع خطر السيول من أن تؤثر في المسجد، ثم عمل السواري والسقف من جذوع النخل والجريد،وقال للبناء : أكن - بتشديد النون - الناس من المطر، واياك أن تحمر ، أو تصفر، فتفتن الناس. وبناه على البساطة الأولي كبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه التوسعة من الغرب والشمال، دون المساس ببيت رسول الله صلى الله عليه وسلم،الذي يقع شرقي المسجد. وفي عام 24 هـ ضاق المسجد بالعاصمة الإسلامية (المدينة المنورة) تبعاً لاتساع الدولة الإسلامية. فأجري عثمان رضي الله عنه التوسعة الثانية، وامتدت إلى الجنوب والشمال والغرب، أما الجانب الشرقي الذي يقع فيه البيت الشريف فلم يمس، حتى يكون القبر على حاله منفصلاً عن المسجد، وذلك صيانة للتوحيد الذي دعت إليه الرسل، ولكي لا تتعلق قلوب بالقبر، ولو شاهدنا ما يفعله الناس عند المقبورين بالمساجد ، كالبدوي والدسوقي وغيرهما، من الصلاة بجوار القبر تبركاً، أو الاستعانة به في جلب منفعة، أو دفع مضرة، والنذر له من دون الله لأدركنا الحكمة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، سداً لذريعة الشرك، لأن النذر والاستعانة والرجاء والتوكل والخشوع وغيرها : كل ذلك من حق الله وحده. فلو صرفها العبد إلى غير الله تعالى وقع في شرك لا يغفره الله تعالى، حيث قال جل شأنه ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء:48]. متي ضم القبر الشريف إلى المسجد كان العداء مستحكماً بين خلفاء بني أمية، وبين أبناء الحسن والحسين رضي الله عنهما، وكان الوليد بن عبد الملك بن مروان ظالماً غشوماً، اتخذ من مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وسيلة لخدمة سياسته. فلما حج عام 80 هـ بعد أن آلت إليه الخلافة، وزار المدينة المنورة، وخطب الناس يوم الجمعة، وبعد الصلاة لم يقبل عليه أهل المدينة للسلام عليه، وحانت منه التفاتة إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا بالحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب ترنو إليه الأنظار محبة تقديراً واحتراماً.وكانت تسكن معه في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجه فاطمة بنت الحسين رضي الله عنهم أجمعين. فعز على الوليد ألا يحفل به الناس، وألا يهتموا به بصفته خليفة للمسلمين، فتمكن منه الحقد على أبناء على رضي الله عنه، وعمل على تشتيتهم في الأمصار. واستعمل المكر والخديعة في ذلك. فأعلن أنه يريد تجديد المسجد النبوي الشريف وتوسعته، وأصدر أمره إلى أمير المدينة بهدم المسجد واضافة بيت الرسول كله بما فيه القبر إلى المسجد بحجة توسعته. ولما قيل للحسن بن الحسن، وزوجه فاطمة بنت الحسين : لا بد من الرحيل من البيت .. أبيا أن يخرجا بذريتهما، فأرسل إليهم الوليد : إن لم تخرجوا هدمناه على رؤسكم، وتم تنفيذ أمر الوليد. وانتقل أبناء الحسن والحسين إلى الحيرة بالعراق. وتمت التوسعة الثالثة للمسجد بعد ضم البيت الشريف إليه وذلك عام 88هـ. ومن هذا يتضح أن قرار الوليد بتوسعة المسجد النبوي عمل لم يرد به وجه الله تعالى.. ولكن للكيد لأحفاد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لا يكون لهم قرار بالمدينة. فالعمل سياسي لا ديني كما أسلفنا. وغني عن البيان أن هذا العمل أثار سخط المسلمين، فقد روى عن نصار الخراساني،قال (أدركت حجرات النبي صلى الله عليه وسلم من جريد على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت أمر الوليد بن عبد الملك بإدخال حجرات النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، فما رأيت يوماً اشتد فيه البكاء أكثر من ذلك اليوم) يقصد البكاء على تشتيت آل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان سعيد بن المسيب حياً يرزق فقال (والله لوددت أنهم تركوها على حالها) يعني حجرات النبي صلى الله عليه وسلم. هذا ولما تم بناء المسجد جاء الوليد من دمشق إلى المدينة، وأخذ يتجول في المسجد، معجباً فخوراً ببناء المسجد بالزخرفة التي أدخلت عليه، مما لم يكن للمسلمين عهد ببناء المساجد بالزخرفة والقباب على طريقة الكنائس، وكان أبان بن عثمان بن عفان لا يزال حياً. فأخذ الوليد بيده وطاف بالمسجد وقال لأبان رضي الله عنه (أين بناؤنا من بنائكم) فكان جواب أبان على الفور (لقد بنيناه بناء المساجد، وأنتم بنيتموه بناء الكنائس). فبهت الوليد. وكانت الكلمة كالصاعقة في أذنه، لأن توسعة عمر ثم عثمان للمسجد النبوي الشريف. كانت مستوحاة من بساطة الإسلام في عمارة المساجد دون أن تخالطها الزخارف والحمرة والصفوة وغير ذلك مما يشغل الناس ويصرفهم عن الخشوع في الصلاة. وكانت المساجد في الصدر الأول من الإسلام كجامع عمرو بن العاص، والمسجد النبوي، ومسجد على بالكوفة.. كانت تنطق ببساطة الإسلام وقوته. ثم خلف من بعدهم خلف اهتموا بزخرفة البنيان، مع ضعف الإيمان. والله أعلم
محمد على عبد الرحيم
مصادر البحث :- 1- وفاء الوفا بأخبار المصطفى للسمهوري. 2- الرحلة الحجازية للبتانوني. 3- البداية والنهاية لابن كثير. 4- منزل الوحي لمحمد حسين هيكل باشا.

سلوكيات مرفوضة في الأطفال - 3- السرقة

سلوكيات مرفوضة في الأطفال 3- السرقة إعداد : جمال عبد الرحمن
***********
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد : فقد تحدثنا في العددين الماضييْن عن سلوكيات مرفوضة في الأطفال ، وذكرنا السلوك الأول وهو الكذب ، ثم السلوك الثاني وهو العناد ، وفي هذا العدد نتكلم عن سلوك ثالث مرفوض يسلكه الأطفال ويمارسه بعضهم ، ألا وهو السرقة : والسرقة هي استلاب حق الغير وأخذه بغير إذنه بقصد تملكه والانتفاع به والتصرف فيه كما لو كان مِلكًا له. 1- شناعة السرقة وقد حرم الإسلام العظيم السرقة ؛ سرقة الأموال والمتاع والممتلكات، بل وحقوق التأليف والاختراعات، والكتب والمصنفات، وذلك حفاظًا على حُرمة المسلم وحرمة حقوقه ، ولكيلا تنتشر الفوضى والشحناء والبغضاء التي إذا أتت على مجتمع فإنها تعصف به وتهلكه ، وتقضي على عناصر الأمن والاستقرار فيه، وقى الله مجتمعات المسلمين من كل شر وبلاء وفتنة ، قال الله تعالى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [المائدة]، وسبب هذا الجزاء والتنكيل أن السرقة اعتداء على حقوق الغير التي حرم الإسلام التعدي عليها . فقال صلى الله عليه وسلم : «كل المسلم على المسلم حرام ، دمه وماله وعرضه» . رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم : «من حلف على يمين مصبورة كاذبًا متعمدًا ليقتطع بها مال أخيه المسلم فليتبوأ مقعده من النار». رواه أحمد والحاكم وصححه الألباني. ومعنى المصبورة أي المحبوسة وهي التي أُلزم بها صاحبها وحُبس عليها لإنفاذ ما أصر عليه . وهذه الأحكام جميعًا تجري على البالغ المكلف المسلم العاقل غير المضطر وغير المكره . 2- السرقة لدى الصغار : وهنا يأتي السؤال : كيف يكون الحكم والحال إذا فعل السرقة صغار الأطفال ؟ وإن كثيرًا من المربين يشتكون منزعجين من أن أحد أبنائه أو بناته قام بسرقة شيء ما من البيت ، نقودًا كان أو متاعًا أو نحو ذلك ، وقد يسرق من الجار إذا حانت له فرصة ، وقد يسرق من البقال الذي يذهب للشراء منه ، وقد يسرق من إخوته أو زملائه في المدرسة ، أو من معلمه في الدرس ، وربما سرق أجرة المدرس الذي يعطيه الدرس فلا يوصلها إليه .. إلى غير ذلك من حالات السرقة التي يقوم بها بعض الأطفال والصبيان . ثم يخشى الآباء والأمهات وأولياء الأمور أن يتعود الطفل ذلك فيصير بعد ذلك لصًا، ويزداد الأمر قبحًا وإزعاجًا إذا رأى الأبوان أنهما يجتهدان في تربية ولدهما وتحفيظه كتاب الله وتعليمه السُّنة ؛ فما هو سر ذلك الأمر؟ وما اللغز المحير فيه ، وكيف يتغلب الأبوان والمربون على هذه الظاهرة المزعجة ويقضون عليها ليعود لهم الاستقرار النفسي نحو أولادهم ؟ هذا ما ستنبئ به إن شاء الله السطور القادمة . 3- لماذا يسرق الطفل ؟ الطفل إذا سرق فإنه يسرق لأسباب عديدة، سواء قابله بعض هذه الأسباب أو كلها . أ- السبب الأول : يسرق الطفل لأنه يحب التملك، فإذا وجد غيره يمتلك شيئًا ليس عنده ، فإن نفسه تطمح إلى أن يكون عنده مثله ، فإن لم يجد سعى لأن يمتلك هذا الشيء بعينه ويستأثر به عن صاحبه فيسرقه. ب- السبب الثاني : الطفل يسرق لأنه طفل لا يفرق بين الحلال والحرام ولا يعرف بديلاً للسرقة لكي يتملك ، فهو لم يعرف الاستعارة كمعنى وليس لفظًا ولا يتضح لديه مفهوم الملكية الخاصة وحرمة انتقالها للآخرين عن طريق السرقة . وهنا يأتي دور الأبوين والمربين في تعليم الطفل المصطلحات الإيمانية مع شرح مبسط لها على قدر ما يفهم الطفل حسب سنّه ، تلك المصطلحات الإيمانية مثل: «الله كبير وليس كمثله شيء»، و«الرسول صلى الله عليه وسلم بشر أرسله الله لنا ليعلمنا وندخل الجنة»، الحلال والحرام، والسرقة حرام ، الجنة والنار، المسلمون والكفار، الحسن والقبيح، الظلم والعدل، حقي وحق غيري، المسلمون سيدخلون الجنة، والكفار في النار، الله يحب الذي يفعل الشيء الجميل ويدخله الجنة ، ويبغض الذي يفعل الأشياء القبيحة ويدخله النار، الجنة فيها طعام وشراب، وكل ما يشتهيه الطفل، الله خالقنا وأخرجنا من بطون أمهاتنا ، وهو رازقنا ، وهو يميتنا بعدما نكبر وقد يموت الإنسان صغيرًا ، القبر مسكن الميت ، والدود يأكله ، يوم القيامة سيقوم كل الناس من القبور ، ويسألهم الله ويحاسبهم على أعمالهم، طاعة الأبوين ، احترام الكبير ، الشتم والسب حرام، الذي يحب أخاه ويحب له الخير يحبه الله ، والذي يكره أخاه يكرهه الله ، الأذان للصلاة، الصلاة يحب الله الذي يحافظ عليها، شهر رمضان شهر صيام ، الصدقة والزكاة من العمل الصالح ، الحج زيارة للأماكن المقدسة، الأمانة ، الاستئذان ، غض البصر. كل هذه وغيرها إيمانيات وأعمال إيمان لا بد للأبوين من تلقينها للطفل وهو صغير بحيث يكون عنده فكرة ولو مختصرة عنها جميعًا ، وهذا الذي كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم مع الصغار فيعلمهم شعب الإيمان وأعماله على الإجمال والاختصار قبل أن يحفظوا القرآن . ولذلك قال جندب بن عبد الله البجلي : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة (أشداء)، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا . أخرجه ابن ماجه وغيره ، وصححه الألباني ، وزاد عند البيهقي : «وإنكم اليوم تعلّمون القرآن قبل الإيمان». [شعب الإيمان]. وقد ظهر جليًا في هذا الحديث أهمية تعلم شعب الإيمان وأفعاله قبل حفظ القرآن ، قال ابن عمر رضي الله عنهما : «لقد عشنا بُرهة من دهر ، وأحدنا يؤتَى الإيمان قبل القرآن ، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فيتعلم حلالها وحرامها ، وآمرها وزاجرها ، وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم ، ثم لقد رأيت اليوم رجالاً يؤتَى أحدهم القرآن قبل الإيمان ، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ولا يدري ما آمِرُه ولا زاجرُه ، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه ، وينثره نثر الدَّقَل . والبُرهة هي الزمان الطويل ، النثر : التساقط والتفرق ، والدَّقل : الرديء اليابس من التمر ، والمراد أن القارئ يرمي بكلمات القرآن من غير رؤية ورَويَّة وتأمل كما يتساقط الدقل من العذق إذا هُزَّ . ولذلك فإن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كان يربي النشء على الإيمان ومعرفة الحلال والحرام والممنوع والجائز ، وكما يقول أبو هريرة رضي الله عنه : أخذ الحسن بن علي رضي الله عنهما تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه (فمه)، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : كِخْ ؛ ألقِها ، أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة؟» البخاري ومسلم وغيرهما . فكم كان عُمْر الحسن رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له : «كِخ كخ» ، ويبين له أن الصدقة محرمة على آل محمد صلى الله عليه وسلم ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : «أما شعرت أنَّا لا نأكل الصدقة» . يعني : كيف خفي عليك ذلك . لذا يجب على المربي أن يتعاهد الطفل في صغره بتعريفه الحلال والحرام . ج- السبب الثالث : ومما يدفع الصبي الصغير إلى السرقة : الحرمان من الأشياء التي تتوفر عند الآخرين، والحرمان للطفل ألم وعذاب ومعاناة لا يصبر عليها الطفل ، وإن صبر ينفد صبره عاجلاً ، فينبغي للمربين أن يجتهدوا في تلبية حاجات الطفل ورغباته بقدر المستطاع ، أو على الأقل البديل عنها ، كما ينبغي ألا يُستهان بميزانية لِلُعب الطفل ومشبعات غرائزه ، وهي لن تساوي ربع ميزانية «السجائر» عند الأغلبية الساحقة من المستهترين من المسلمين، ولا تساوي ثلث ما تنفقه بعض الأمهات على ألوان وأصباغ وغير ذلك مما يضيع الأموال التي كره الله تعالى إضاعتها ، خاصة مع الإسراف فيها. وقد راعى النبي صلى الله عليه وسلم حاجة الصغار في ذلك ، فكان يسمح لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بأن تصطحب معها لعبها إلى بيت الزوجية عنده صلى الله عليه وسلم وتلعب بها ومعها صديقاتها الصغيرات ، ولم تكن رضي الله عنها تجاوزت عند ذلك تسع سنوات من العمر . تقول رضي الله عنها : «كنت ألعب بالبنات (لُعَب) عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان لي صواحب يلعبن معي ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقمعن منه (يتحجبن) فيسربهن إليَّ فيلعبن معي». متفق عليه . وفي رؤيتها للعب كان يمكنها النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بعض الأحيان حتى تصرف وتشبع ، وتعلق هي على ذلك قائلة : «فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن». متفق عليه . فالحرمان يؤدي بالطفل إلى سلوك السبيل المعاكس وإن كان مخالفًا للحق ، ومن هذا لجؤوه إلى السرقة ليدبر بها أمره ، ويشفي بها صدره . ولا نقصد هنا بعدم حرمان الطفل أن يلبي له كل ما يريد ، وينفذ له كل ما يأمر به ، وإنما التسديد والمقاربة والتوسط والاعتدال هو خير سبيل (عوان بين ذلك). د- السبب الرابع : الطفل يسرق للانتقام من الوالدين أو للتخلص من معاناته، والإعلان عن ظلمه، وهذا يحدث مع الأطفال الذين يتعرضون كما سبق للحرمان أو يتعرضون للقسوة في المعاملة من الوالدين والمربين ، لكن الرفق أقرب السبل لإقناع الطفل ، خاصة وأنه يقنع بالقليل ، وينسى الكثير ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : «عليك بالرفق ، فإنه لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا يُنزع من شيء إلا شانه». (صحيح : الأدب المفرد). فإذا قسا المربي على الطفل بالقول أو الضرب ، فإن ذلك يكون لزجره ومنعه ، عندها يلجأ الطفل إلى السرقة لو حانت له فرصة الانتقام والأخذ ليشبع رغبته ، ويقضي نهمته ، غير مدرك لبر الوالدين أو نهيهما أو غضبهما . هـ- السبب الخامس : والطفل يسرق لأنه طفل، وهو في مرحلة طفولة غير مسئولة ،لأجلها رفع الله عنه التكليف (وعن الصبي حتى يحتلم)، فهو لا يعي من القرآن والسنة والأمر والنهي مثلما يعي الكبار ، ولا يتأثر بالجنة والنار كالكبار ، ولا يتذكر وتنفعه الذكرى كالكبار ، ومن ثَمَّ يبقى أسير رغباته وغرائزه ونفسه المحدودة ، فلا غرابة إن سرق . علاج ظاهرة السرقة عند الأطفال : علاج مثل هذه الظاهرة لا يعتمد أبدًا على العاطفة ، أو وجهة النظر والرأي ، ولا مشورات الفضوليين الذي لا دراية لهم بهذا الأمر ، إنما العلاج ينبغي أن ينبثق من نصوص شرعية ، وتجارب لأهل الشريعة المحمدية ، وأول ما يمكن الإشارة إليه من علاج لهذه الظاهرة الآتي : 1- التزام الهدوء في معاملة الطفل ، خاصة عند الصدمة الأولى ، حينما يفاجأ الأب أنَّ جارًا له أو صديقًا أو قريبًا يخبره أن ابنه سرق ،أو بنته التي لم يقصر في تربيتها وشراء ما يلزمها هي أو أخوها ، وتتراكم على الأب مجموعة من المشاعر والانفعالات مثل إحراجه من جهة ، وخيبة أمله في ابنه الذي لم يتركه محتاجًا إلى شيء ، ثم هول المفاجأة، فربما أدى ذلك إلى سرعة التجارب مع الحدث بانفعال وغضب ، وعند هذه نقول : يجب التزام الصبر والتأني والهدوء وعدم العجلة ، وتجنب الانتقام والقسوة لشفاء الغل والغليل . ويبادر الأب بسؤال ابنه – خاصة إذا كانت أول مرة – برفق ، ومعرفة دوافعه ، وهل كان ذلك من تلقاء نفسه أم دله عليها غيره . وقد يحتاج الأمر إلى لفت النظر بشد الأذن بنوع من الرفق أيضًا ، وقد حدث ذلك من رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم مع بعض الأطفال. فعن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معه بقطفين واحد له والآخر لأمه عمرة فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة فقال:" أرسلت لك مع النعمان بقطف من عنب"؟ فقالت : لا ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بِلِدَّتِه فقال: يا غُدَر. أخرجه الطبراني في مسند الشاميين . 2- وعظ الطفل وتذكيره بالإيمانيات التي أشرنا إليها من قبل ، والثناء عليه بأنه ليس أهلاً لهذه الخصلة السيئة ، وإبراز الجوانب الحسنة فيه والثناء عليه منها وبها ، فإن ذلك يرفع معنوياته ويجعله يقلع عن السرقة ولا يكررها . 3- تخويف الطفل عند الإصرار بأن حد السارق في الشرع قطع يده ، فهل يمشي المرء بين الناس مقطوع اليد ليفضح أمامهم ؟ 4- الأطفال يحبون التقليد وتحركهم الغيرة ، وباستنفار كوامن الطفل الخيرية عن طريق مدح زميل له تعرض لمثل هذا الموقف وكان أمينًا، وأبوه مسرور منه، ويحبه لأمانته . 5- مراقبة الطفل وتفقد ممتلكاته ، وتحري السؤال عن الأشياء الغريبة التي يأتي بها من خارج البيت، فإن السكوت عن ذلك يعطي الطفل أمانًا ليرتكب مثل هذه الأفعال . 6- ممنوع إجراء اختبار للطفل ، بمعنى أن بعض الناس يترك الأموال أمام الطفل لينتظر هل سيأخذ الطفل منها شيئًا أم لا ، وقد قالوا : المال السايب يعلم السرقة ، فلا داعي لجر الطفل وإغرائه لمثل هذا الفعل، والوقاية خير من العلاج . 7- تعليم الطفل الاستئذان في أخذ أي شيء سواء من أهله ، أو من خارج البيت ، وهذا السلوك وهو الاستئذان إذا أتقنه الطفل عرف وغُرس فيه عدم الأخذ بدون استئذان ، فكيف بالسرقة ؟ 8- تجنيب الطفل عن مصاحبة الرفقة السيئة التي يأتي من ورائها كل شر ، وقد نهى الله ورسوله عن التساهل في اتخاذ الصاحب السوء ، وكل إنسان على دين صاحبه .فلينظر كل صاحب من يصاحب . وإلى لقاء آخر إن شاء الله .

تصرفات مرفوضة عند الأطفال ثانيًا: الكذب عند الأطفال

تصرفات مرفوضة عند الأطفال ثانيًا: الكذب عند الأطفال: إعداد: فضيلة الشيخ جمال عبد الرحمن
************
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: سؤال محير يتردد على أذهان الآباء والأمهات والمربين، يقفون عاجزين عن الإجابة عليه، هذا السؤال: لماذا يكذب الأطفال ؟ وما علاج ذلك ؟ والذي يزيد الحيرة عند الوالدين أنهما يبذلان الجهد الكبير لتربية الطفل تربية ناجحة، وتعليمه وتلقينه مبادئ الإسلام الحميدة، إضافة إلى حكاية القَصَص الذي يدعو إلى الصدق ويمنع من الكذب. أسباب الكذب: والذي يدفع الأطفال للكذب أمور: 1- الدفاع عن النفس: ويظهر هذا السبب بكثرة في الأسر التي تستخدم العقاب كثيرًا في تعاملها مع أولادها، ويتحول فيها الأب من شخص ينبغي أن يكون واسع الحلم ومحاولاً ذلك؛ إلى رجل كثير التدقيق والتحقيق، فيلجأ الطفل إلى الكذب ليدفع عن نفسه التهمة، حتى لو ألصقها بالآخرين. 2- القسوة: ويلجأ إليها الطفل حينما يتذكر المواقف العصيبة، والذكريات المؤلمة، التي تذكره بضربه والقسوة عليه إذا هو خالف أمر الأبوين أو كانت إجابته على أسئلتهما غير مرضية لهما. 3- التقليد: وهو من أهم أسباب الكذب، إذ يمثل أسلوب تقليد النماذج وسيلة رئيسة للتعلم في سنوات الطفولة المبكرة، وحين يمارس الكبار أمام الطفل سلوك الكذب فإنه ينظر إليه باعتباره سلوكًا مباحًا وجائزًا ومرغوبًا فيه، فمثلاً حينما يتهرب الأب أو الأم من ضيف ثقيل بأن يطلب من الطفل القول بأنه خارج البيت، أو حين يسمع الطفل من أبيه مبالغات في الحديث عن شخصيته وحياته وممتلكاته أمام الناس، مع علم الطفل بالحقيقة المخالفة لما يقوله والده، أو حين يقول الوالدان للطفل أنه خارج لنزهة ثم يذهبان به إلى الطبيب، أو يعدانه بهدية إذا قام بعمل ما أو سلك سلوكًا يطلبانه منه ثم لا يمنحانه تلك الهدية، ويكون الأمر أكثر تعقيدًا حين يكون الأب نفسه مُطالبًا ولده بالصدق وهو ما يزال يمارس الكذب وأمره مكشوف. 4- التفاخر: ويمارس الطفل هذا السلوك للحصول على إعجاب الآخرين واهتمامهم، وهنا يخفي الطفل شعوره بالنقص أمام الآخرين، ويحاول أن يملأ هذا الفراغ النفسي في أعماقه بالكذب محاولاً تعظيم ذاته وإعلاء شأنها. 5- التقرب من الآخرين: الطفل يحاول أن يستحوذ على اهتمام الآخرين وإعجابهم به، فيبذل جهده في القيام بأعمال يحبونها، ويحاول التجمل بتقمص دور شخصيات ترفع من شأنه وهو ليس كذلك. 6- العدوانية ومعاقبة الآخرين والفرح لذلك: وهنا يدعي الطفل أن طفلاً آخر قام بأعمال مشينة، وهو يقصد بذلك تعريض ذلك الطفل للعقوبة ليشبع هو رغبته في إيذاء الغير، وكثيرًا ما يلجأ إلى ذلك الأطفال الذين يشعرون بعدوانية مكبوتة لا يمكنهم تفريغها؛ إما لعجزهم الجسدي، أو لتقييد الأنظمة الأسرية أو المدرسية لهم، فيسعى هنا إلى أن يقوم المعلمون والمسئولون بما كان يريد أن يفعله هو من عقوبة الآخر. 7- الولاء المذموم: ويقصد به هنا أن الطفل لحبه لمجموعة من الرفاق يحاول تضليل المربين والمسئولين، حتى لا يعاقبو صديقًا من أصدقائه ومن يوالونه من أقرانه. 8- عدم الثقة: وهذه مصدرها الوالدان، فإذا شعر الطفل أن الوالدين لا يثقان فيه ولا بكلامه عندما يخبرهما بحقيقة؛ فإنه يستوي عنده الصدق مع الكذب فيكذب. 9- إصرار الكبار على تسميته كذابًا: الطفل لو كان صادقًا وأراد الصدق فيواجهه من يتهمه بالكذب ويسميه كذابًا، عندها يلجأ إلى الانتقام بأن يعمد إلى الكذب. 10- المكسب الشخصي: وهذا يلجأ إليه الطفل عادة للوصول إلى غايته، والحصول على بغيته خاصة إذا رأى أنه لن يصل إليها من خلال الحقيقة والصدق. من كل ما تقدم يلجأ الطفل إلى أشكال كثيرة للكذب منها: 1- قلب الحقيقة. 2- المبالغة. 3- اختلاق الكذب ونسجه وترويجه. 4- السكوت عن الحقائق وشهادة الحق. ويمكن القول: إن الكذب عند الأطفال ما هو إلا محصلة لعوامل بيئية وعوامل ذاتية داخل نفوس الأطفال. فأما العوامل البيئية كالبيت والمدرسة والمجتمع، فهي الأماكن الهامة التي يرتادها الطفل بصورة دائمة، وهي التي يتأثر بها. أولاً: البيت: فالطفل الذي ينشأ في بيت ذي أسرة تلتزم الصدق بصورة دقيقة يظهر أثر ذلك على سلوك الطفل، فينشأ على ما عوده الأبوان. أما الأسرة التي تمارس الكذب فإنها تعلم أولادها ذلك فينشأون أيضًا على ما عُوِّدوا. ومثال ذلك: إذا رن جرس البيت، أو دق جرس الهاتف وقام الصبي بالرد، فيسأل المتصل عن الوالد، فيشير الوالد بأن يخبر الطفل السائل بأنه غير موجود، ويضطر الصبي – رضي أو أبى – أن يكذب، فإذا تعود الطفل هذه العادة السيئة فإنه يتعود طوال حياته على الكذب، إلا أن يتغمده الله برحمته، فالطفل يلتقط ويقلد. ثانيًا: في المدرسة: الطفل يرى زملاءه يكذبون ليخرجوا من عقاب مدرسهم، بل يتفاخرون بأنهم احتالوا وأفلتوا من العقوبة بالكذب، والأدهى من ذلك أن يرى الطلاب مدرسهم يكذب عليهم، ويرون المدرس يكذب على من يرأسه ليخرج من المدرسة مثلاً، وآخر يزور شهادة مرضية، ويحكي ذلك أمام أبنائه وتلاميذه، فكيف سيكون سلوك الأبناء بعد ذلك ؟ ثالثًا: في الشارع والسوق: حيث انتشر الكذب، فالبائع يكذب ويزين السلعة، ثم إذا انصرف المشترون يكتشفون أن البائع غشهم وكذب عليهم.. هذه العوامل التي تنتج عن غياب القدوة تجعل الطفل يتعود على الكذب ولا يستنكره بعد ذلك. النظرة الخاطئة للصدق يشجع على الكذب: في المجتمع من ينظر إلى الصادق على أنه طيب القلب لا يستطيع المحاورة والمناورة، وأن هذا الأسلوب لا يصلح في المجتمعات العصرية التي صار الناس فيها ذئابًا وأسودًا، وثعالب وفهودًا، وعلى العكس ينظرون إلى الكاذب بأنه داهية وصاحب مكر وعقل يلف ويدور، ويلفق ليكسب ويربح. يكذب الطفل أحيانًا متعمدًا ليحقق رغبات وهمية، ويكون ذلك غالبًا إذا رأى غيره خيرًا منه، وعلى الوالدين في هذا جهد كبير ينبع من منهج نبوي، يربط الطفل بدينه وبنبيه صلى الله عليه وسلم، وأن أكرم الناس عند الله تعالى أتقاهم، وأن الجنة يدخلها الفقراء قبل الأغنياء، وأن الرجل السمين الوجيه قد يؤتى به يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة. كما يكذب الطفل أيضًا ليستولي على مزيد من شهواته، وهنا يُعلم القناعة، وقصص الصحابة وحياة النبي صلى الله عليه وسلم وطعامه وشرابه، وسيرة شباب السلف الصالح وما كانوا يتمتعون به من كريم الخصال، على قلة المتاع والمال. كذلك الخوف والجبن، فإذا كان الأبوان ممن يشدد العقوبة للطفل والزجر والتوبيخ فإن الطفل كي ينجو من - وجهة نظره– من هذه العقوبة إذا عمل الخطأ فإنه يلجأ إلى الكذب. علاج الكذب عند الأطفال: علاج الكذب نوعان: 1- تحصين الطفل بحيث لا يقع في الكذب. 2- نهيه عنه إذا وقع فيه. ولتحقيق هذين الأمرين ينبغي الآتي: 1- ربط الطفل بقدوة صالحة تحثه على مكارم الأخلاق في كل جوانب تعامله مع المجتمع ؛ أ- البيت، ب- المدرسة، جـ- المسجد، فلا يكذب الوالدان أمام الأطفال ولو في المزاح، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم عبد الله بن عامر لما نادته وقالت: تعال أعطيك ؟ فقال لها صلى الله عليه وسلم: «ما أردت أن تعطيه؟» قالت: أعطيه تمرًا. فقال: أما إنك لو لم تعطيه كُتبت عليك كذبة». ولا بد أن يعلم الوالدان والمربون بأن الكذب خيانة والصدقة أمانة، وأن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، كما أن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، كما وضح ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود رضي الله عنه بصحيح مسلم. 2- الحكايات والقصص التي تبين حلاوة الصدق وجزاء الصادقين، وقبح الكذب والكذابين، هي أيضًا من وسائل الإيضاح التي يستفيد منها الطفل ليكون صادقًا، وقد قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } [التوبة: 119]. 3- متابعة الطفل للتأكد من تصرفاته عند مدرِّسه، وعند مربيه وعند أصدقائه، { وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا }. 4- معرفة مشاكل الطفل النفسية وما يخفيه وما يقلقه ورغباته وشهواته لترشيدها وتوجيهها توجيهًا سديدًا يحفظ على الطفل خُلُقَهُ وصدقه. 5- الثناء على الطفل إذا رُؤي منه الصدق ومدحه على ذلك وإثابته، فإن ذلك يزيد من ثقته في نفسه ويجعل الطفل حريصًا على أن يكون صادقًا، بل يحفز إخوانه على أن يكونوا مثله. 6- أن يعامل الطفل بمبدأ إحسان الظن، وحسن النية، ويعامل على أنه صادق فإذا عُلِم منه كذب فلا يُعيَّر به دائمًا أو يقال له: أنت كذاب! حتى لا يترسخ في ذهنه أنه كذاب فيستبيح الكذب بعد ذلك. 7- طفلك ليس أنت، فغالبًا ما يحدث مع صغار الأطفال أن يكذبوا وهم لا يعرفون الكذب وعواقبه وقبحه عند الله ورسوله، وهنا تنفع الليونة والترغيب، والنهي اللطيف عن مثل هذه السلوكيات، مع الوعد بالجزاء والثواب عند تغيير الحال، ولا ينبغي أن يعد المربي بشيء لا يقدر على الوفاء به لكي لا يكون كذابًا هو الآخر، فإذا قدر على الوفاء وفَّى، وإلا اعتذر بصورة لائقة ومرضية مع الإقناع بأنه عند تيسر الأحوال سيُنجز للطفل ما وُعِد به. والله الموفق.