الاثنين، 14 ديسمبر 2009

حكم النذر على الأضرحة والأولياء ؟

من فتاوى دار الإفتاء المصرية
ما حكم النذر على الأضرحة والأولياء ؟
الجواب: النذر الذي ينذره أكثر على ما هو مشاهد كأن يكون لإنسان غائب أو مريض أو له حاجة ضرورية فيأتي بعض الصلحاء فيجعل سترة على رأسه فيقول: يا سيدي فلان إن رد غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي فلك من الذهب كذا، من الفضة كذا، أو من الطعام كذا، أو من الماء كذا، أو من الشمع كذا، أو من الزيت كذا، فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه؛ منها أنه نذر لمخلوق والنذر للمخلوق لا يجوز لأنه عبادة والعبادة لا تكون للمخلوق، ومنها أن المنذور له ميت والميت لا يملك، ومنها إن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى واعتقاده ذلك كفر – اللهم إلا أن قال يا ألله إني نذرت لك إن شفيت مريضي أو رددت غائبي أو قضيت حاجتي أن أطعم الفقراء الذين بباب السيدة نفيسة أو الفقراء الذين بباب الإمام الشافعي أو بباب الإمام الليث أو أشتري حصرًا لمساجدهم أو زيتًا لوقودها أو دراهم لمن يقوم بشعائرها إلى غير ذلك مما يكون فيه نفع للفقراء والنذر لله عز وجل، وذكر الشيخ إنما هو محل لصرف النذر لمستحقيه القاطنين برباطه أو مسجده أو جامعه فيجوز بهذا الاعتبار إذ مصرف النذر الفقراء، وقد وجد المصرف ولا يجوز أن يصرف ذلك لغني غير محتاج، ولا لشريف ذي منصب لأنه لا يحل له الأخذ ما لم يكن محتاجًا فقيرًا ولا لذي النسب لأجل نسبه ما لم يكن فقيرًا ولا لذي علم لأجل علمه ما لم يكن فقيرًا. ولم يثبت في الشرع جواز الصرف للأغنياء للإجماع على حرمة النذر للمخلوق ولا ينعقد ولا تشغل الذمة به ولأنه حرام بل سحت ولا يجوز لخادم الشيخ أخذه ولا أكله ولا التصرف فيه بوجه من الوجوه إلا أن يكون فقيرًا أو له عيال فقراء عاجزون عن الكسب وهم مضطرون فيأخذونه على سبيل الصدقة المبتدأة، فأخذه أيضًا مكروه ما لم يقصد به الناذر التقرب إلى الله تعالى وصرفه إلى الفقراء بقطع النظر عن نذر الشيخ، فإذا علم هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربًا إليهم فحرام بإجماع المسلمين ما لم يقصدوا صرفه للفقراء الأحياء قولاً واحدًا. انتهى. والظاهر أن لنا أن هؤلاء العوام وإن قالوا بألسنتهم إني نذرت لله أو تصدقت فمقصدهم في الواقع ونفس الأمر إنما هو التقرب إلى الأولياء والصالحين وليس مقصدهم التقرب إلى الله تعالى وحده ولم يبتغوا بذلك وجهه، ولقد صدق حضرة صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرحمن قراعة رحمه الله تعالى إذ يقول في رسالته التي ألفها في النذور وأحكامها ما أشبه ما يقدمون من قربان وما ينذرون من نذور وما يعتقدون في الأضرحة وساكنيها بما كان يصنع المشركون في الجاهلية وما يغني عنهم نفي الشرك عنهم بألسنتهم، وأفعالهم تنبئ عما يعتقدون من أن هؤلاء الأولياء لهم نافعون ولأعدائهم ضارون. انتهى. وقد جاء في سبيل السلام شرح بلوغ المرام ما نصه: «وأما النذور المعروفة في هذه الأزمنة على القبور والمشاهد والأموات فلا كلام في تحريمها لأن الناذر يعتقد في صاحب القبر أنه ينفع ويضر ويجلب الخير ويدفع الشر ويعافي الأليم ويشفي السقيم وهذا هو الذي كان يفعله عباد الأوثان بعينه فيحرم كما يحرم النذر على الوثن ويحرم قبضه لأنه تقرير على الشرك ويجب النهي عنه وإبانة أنه من أعظم المحرمات وأنه الذي كان يفعله عباد الأصنام، لكن طال الأمد حتى صار المعروف منكرًا والمنكر معروف». انتهى. وقد جاء في الروضة الندية وشرحها: «ومنه رأى من النذر غير الصحيح – النذر على القبور لكون ذلك ليس من النذر في الطاعة ولا من النذر الذي يبتغى به وجه الله تعالى بل قد يكون من النذر في المعصية إذا كان يتسبب عنه اعتقاد فاسد في صاحب القبر كما يتفق ذلك كثيرًا». انتهى. ولو عبر صاحب الروضة بقوله: بل هو نذر في المعصية إذ يتسبب عنه اعتقاد فاسد في صاحب القبر لكانت العبارة أوفى بما هو الواقع عند العوام – وقد أطال القول في ذلك الشوكاني في رسالته المسماة «شرح الصدور في تحريم رفع القبور»، ولولا خشية الملل لذكرناه، وما ذكرناه فيه الكفاية، مما ذكر يتبين أن نذر العوام لأرباب الأضرحة أو التصدق لهم تقربًا إليهم – وهو ما يقصده هؤلاء الجهلة مما ينذرونه أو يتصدقون به حرام بإجماع المسلمين والمال المنذور أو المتصدق به يجب رده لصاحبه إن علم، فإن لم يعلم فهو من قبيل المال الضائع الذي لا يعلم له مستحق فيصرف على مصالح المسلمين أو على الفقراء ولا يتعين فقير بصرفه إليه فليس لفقير معين ولول كان خادمًا للضريح أو قريبًا لصاحبه حق فيه قبل القبض، ومن قبض منهما شيئًا وكان فقيرًا فإنما تملكه بالقبض ولا يجوز لغني أن يتناول منه شيئًا فإذا تناول منه شيئًا لا يملكه وجب رده على مصارفه... والله سبحانه وتعالى أعلم.

الأحد، 13 ديسمبر 2009

الرِّفْقُ يُعينُ على حصولِ المقصودِ

الرِّفْقُ يُعينُ على حصولِ المقصودِ

الرفقُ شفيعٌ لا يُرَدُّ في طلبِ الحاجاتِ ، ولك أن تعلم أن الطريق الضيق بين جدارين ، الذي لا يتسع إلا لمرور سيارةٍ واحدةٍ فَحَسْبُ ، لا تدخلُها هذه السيارة إلا برفقٍ من قائدِها وحذرٍ وتوقٍّ ، بينما لو أقبل بها مسرعاً وأراد المرور من هذا المكان الضيقِ لاصطدم يمْنةً وَيسْرَةً وتعطلتْ سيارتُه ، والطريقُ لم يزِد ولم ينقصْ ، والسيارةُ هي هي ، لكنَّ الطريقة هي التي اختلفت، تلك برفقٍ وهذه بشدَّةٍ . والشجرةُ الصغيرةُ التي نغرسُها في حوضِ فناءِ أحدِنا ، إذا سكبت عليها الماء شيئاً فشيئاً تشربُ منه وينفعُها ، فإذا أخذت كميةً من هذا الماء بعينهِ وحجْمه وألقيته دفعةً واحدة لاقتلعت هذه النبتة من مكانِها ، إن كمية الماءِ واحدةٌ ولكن الأسلوب تغيَّر . إن منْ يخلعُ ثوبه برفقٍ يضمنُ سلامة ثوبِه ، خلاف من يجذِبُه بقوةٍ ويسحبُه بسرعةٍ ، فإنه يشكو من تقطُّعِ أزرارِه وتمزُّقِهِ . ومن اللطائف في انكشافِ عَدَمَ صدقِ إخوةِ يوسف في مجيئِهم بثوبِهِ ، وزعْمِهم أن الذئب أكله : أنهم خلعُوا الثوب برفق فلم يحصل فيه شقوقٌ ، ولو أكله الذئبُ كما زعموا لمزَّق الثوب كلَّ ممزَّقٍ ، ولم يخلْعْه خلْعاً . إن حياتنا تحتاجُ إلى رفقٍ نرفقُ بأنفسِنا : (( وإن لنفسِك عليك حقاً )) . نرفقُ بإخواننا : (( إن الله رفيق يحب الرفق )) . نرفقُ بالمرأةِ : (( رفقاً بالقواريرِ )) . على الجسورِ الخشبيِة التي بناها الأتراكُ على ممراتِ الأنهارِ ، مكتوبٌ في أول الجسرِ : رفقاً رفقاً . لأن المارَّ بهدوءٍ لا يسقطُ ،أما المسرعُ فجديرُ أن يهوي إلى مستقرِّ النهر . وفي مذكّراتٍ لأديب سوريٍّ كان يسكنُ في مدينة « السلمية » ، وله درَّاجةٌ ناريةٌ ، أراد أن يعبر بها على جسر بناه الأتراكُ من الخشبِ على النهرِ ، وهم بنوْه لمن أراد أن يمشي بدراجته متئداً متأنياً ، قال هذا الرجل : فذهبتُ مسرعاً على جسري ، فلما أصبحتُ من أعلى الجسرِ متوسِّطاً النهر ، نظرتُ يَمْنَةً ويَسْرَةً ، وأنا لم أرفقْ بنفسي ولا بدراجتي فاضطربتْ بي واختلَّ نظري ، فوقعتُ بدراجتي في النهرِ ... وكانت قصةً طويلة . إنَّ على مداخلِ حدائقٍ الزهورِ والورود في بعضِ مدنِ أوروبة : لوحةٌ مكتوب فيها : «تَرَفَّقْ» ، لأن الداخل مسرعاً لا يرى ذاك النبت الجميل ولا يضمنُ سلامة ذاك الوردِ الباهي ، فيحصل الدعس والدفس والإبادة ، لأنه ما رفق ولا تأنَّى . هناك معادلة تربوية تقول : إن العصفور تربوية تقول : إن العصفور لا يترفَّقُ كالنحلة . وفي الحديث : (( المؤمنُ كالنحلة ، تأكلُ طيباً وتضعُ طيباً ، وإذا وقعتْ على عُودٍ لم تكسْرِه )) . فالنحلة لا تُحِسُّ بها الزهرةُ أبداً ، وهي تعلقُ الرحيق بهدوء ، وتنالُ مطلوبها برفقٍ . والعصفورُ على ضآلةِ جسمِه يخبرُ الناس بنزولِه على سنابل ، فإذا أراد النزول سقط سقوطاً ، ووثب وثْباً . ولا أزالُ أذكرُ قصة الرسَّام الهنديِّ ، وقد رسم لوحةً بديعة الحسنِ ملخَّصها : سنبلةُ قمح عليها عصفورٌ قد وقع ، وهذه السنبلة مليئةٌ بالحبِّ ، مترعرعةُ النموِّ ، باسقةُ الطولِ ، وعلَّقها الملِكُ على جدارِ ديوانِه ، ودخل الناسُ يهنِّئون الملك بهذه اللوحةِ ويشكرون الرسَّام على حسنِها ، ودخل رجلٌ فقيرٌ مغمورٌ في وسطِ الزحامِ فاعترض على اللوحةِ ، وأخبرَ أنها خطٌأ ، وضجَّ الناسُ به وصجُّوا ، لأنه خالف الإجماع، فاستدعاه الملكُ برفقٍ وقال : ما عندك؟ قال : هذه اللوحةُ خطٌأ رسمُها ، وَغَلطٌ عرْضها . قال : ولِمَ ؟ قال : لأنَّ الرسام رسمَ العصفور على السنبلةِ وترك السنبلة مستقيمةً ممتدةً ، وهذا خطٌأ ، فإنِّ العصفور إذا نزل على سنبلة القمحِ أمالها، وأخضعها ، لأنه ثقيلٌ لا يملكُ الرفق . قال الملكُ : صدقت . وقال الناسُ: صدقت . وأنزل اللَّوْحة ، وسُحبت الجائزةُ من الرسامِ . إنَّ الأطباء يُوصون بالرفقِ في تناولِ العلاجِ ، وفي مزاولةِ العملِ والأخذِ والعطاءِ . فذاك يقلعُ ظفْره بيده ، وذاك يباشرُ سِنِّه بنفسِه ، وآخر يَغُصُّ باللقمة ، لأنه أَكَبرَها وما أحسن مضْغها . إن الماء يترفَّقُ ، وإن الريح تُزمجرُ فتدمِّرُ . قرأتُ لبعضِ السلفِ أنه قال : إن مِن فِقْهِ الرجل رِفْقَهُ في دخولِه وخروجِه منه ، وارتداءِ ثوبِه وخَلْعِ نعلِه وركوبِ دابتهِ . إن العَجَلةَ والهوجَ والطيْشَ في أخذ الأمورِ وتناولِ الأشياء ، كَفِيلةٌ بحصولِ الضررِ وتفويتِ المنفعِة ، لأن الخَيْرَ بُني على الرفقِ : (( ما كان الرفقُ في شيء إلاَّ زانه ، وما نُزع الرفقُ من شيء إلاَّ شانهُ )) . إنَّ الرفق في التعاملِ تُذعنُ له الأرواحُ ، وتنقادُ له القلوبُ ، وتخشعُ له النفوسُ . إن الرفيق من البشرِ مِفتاحٌ لكلِّ خَيْرٍ ، تستسلمُ له النفوسُ المستعصية ، وتثوبُ إليه القلوبُ الحاقدةُ ، ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ ।

المصدر : لا تحزن - القرني

من فتاوى علماء الازهر حول الاضرحة والقبور

من فتاوى علماء الازهر حول الاضرحة والقبور
لا يجتمع مسجد وقبر في الإسلام
سُئل: ما حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور؟أجاب قائلاً: «نفيد أنه قد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأنه «لا يجوز أن يُدْفَن في المسجد ميت، لا صغير ولا كبير، ولا جليل ولا غيره ؛ فإنَّ المساجد لا يجوز تشبيهها بالمقابر». [الفتاوى 2/85].وقال في فتوى أخرى: «إنه لا يجوز دفن ميت في مسجد، فإنْ كان المسجد قبل الدَّفن غُيِّر ؛ إما بتسوية القبر، وإمَّا بنَبْشِه إنْ كان جديدًا... إلخ». [الفتاوى الكبرى 2/80].وذلك لأنَّ الدفن في المسجد إخراج لجزء من المسجد عما جُعِل له مِن صلاة المكتوبات وتوابعها مِن النَّفل والذِّكر وتدريس العلم، وذلك غير جائز شرعًا؛ ولأنَّ اتخاذ قبر في المسجد، على الوجه الوارد في السؤال، يؤدي إلى الصلاة إلى هذا القبر أو عنده، وقد وردت أحاديث كثيرة دالة على حظر ذلك.قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص158) ما نصُّه: «إنَّ النصوص عن النَّبي صلى الله عليه وسلم تواترت بالنهي عن الصلاة عند القبور مطلقًا، وعن اتخاذها مساجد أو بناء المساجد عليها». ومِن الأحاديث ما رواه مسلم عن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تجلسوا على القبور ولا تُصلُّوا إليها». [أخرجه مسلم 972].وقال ابن القيم في «زاد المعاد»: «نصَّ الإمام أحمد وغيره على أنه إذا دُفِن الميت في المسجد نُبِش». [زاد المعاد 3/572].وقال ابن القيم أيضًا: «لا يجتمع في دين الإسلام قبر ومسجد، بل أيُّها طرأ على الآخر مُنع منه وكان الحكم للسابق». [زاد المعاد 3/572].وقال الإمام النووي رحمه الله في «شرح المهذب» (5/316) ما نصه: «اتفقت نصوص الشافعية والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر، سواء كان الميت مشهورًا بالصلاة أو غيره ؛ لعموم الأحاديث، قال الشافعي والأصحاب: وتُكره الصلاة إلى القبور، سواء كان الميت صالحًا أو غيره.قال الحافظ أبو موسى: قال الإمام الزعفراني رحمه الله: ولا يصلَّى إلى قبر ولا عنده تبركًا به ولا إعظامًا له؛ للأحاديث». [المجموع للنووي 5/316، 317]. والله أعلم.
حرمة الصلاة في المسجد ذات القبور
وُجه إلى فضيلة الإمام الأكبر محمود شلتوت سؤال مفاده:توجد في بعض المساجد أضرحة ومقابر، فما حكم إقامتها ؟ وما حكم الصلاة إليها ؟ والصلاة فيها؟الجواب:أجاب فضيلة الشيخ محمود شلتوت- شيخ الأزهر الشريف- قائلاً:
تطهير بيوت العبادة
شُرعت الصلاة في الإسلام لتكون رباطًا بين العبد وربه، يقضي فيها بين يديه خاشعًا ضارعًا يناجيه، مستشعرًا عظمته، مستحضرًا جلاله، ملتمسًا عفوه ورضاه ؛ فتسمو نفسه، وتزكو روحه، وترتفع همته في ذل العبودية والخضوع لمولاه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5].وكان مِن لوازم ذلك الموقف، والمحافظة فيه على قلب المصلي، أن يُخلص قلبه في الاتجاه إليه سبحانه، وأن يُحال بينه وبين مشاهد من شأنها أن تبعث في نفسه شيئًا من تعظيم غير الله، فيُصرف عن تعظيمه إلى تعظيم غيره، أو إلى إشراك غيره معه في التعظيم.ولذلك كان من أحكام الإسلام فيما يختص بأماكن العبادة تطهيرها من هذه المشاهد: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة: 125]، وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لاَ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج: 26]، إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّـهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّـهَ [التوبة: 18]، وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّـهِ أَحَدًا [الجن: 18]
واجب المسلمين نحو الأضرحة
وإذا كان الافتتان بالأنبياء والصالحين، كما نراه ونعلمه شأن كثير من الناس في كل زمان ومكان، فإنه يجب- محافظة على عقيدة المسلم- إخفاء الأضرحة من المساجد، وألا تُتَّخذ لها أبواب ونوافذ فيها، وبخاصة إذا كانت في جهة القبلة، فيجب أن تُفصل عنها فصلاً تامًا بحيث لا تقع أبصار المصلين عليها، ولا يتمكنون من استقبالها وهم بين يدي الله، ومن باب أَوْلى يجب منع الصلاة في نفس الضريح، وإزالة المحاريب من الأضرحة.وإن ما نراه في المساجد التي فيها الأضرحة، ونراه في نفس الأضرحة، لما يبعث في نفوس المؤمنين سرعة العمل في ذلك، وقاية لعقائد المسلمين وعباداتهم من مظاهر لا تتفق وواجب الإخلاص في العقيدة والتوحيد، ومن هنا رأى العلماء أنَّ الصلاة إلى القبر أيًا كان محرمة، ونهي عنها، واستظهر بعضهم بحكم النهي بطلانها ؛ فليتنبه المسلمون إلى ذلك، وليسرع أولياء الأمر في البلاد الإسلامية إلى إخلاص المساجد لله كما قال الله: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّـهِ أَحَدًا [الجن: 18].
لا تتخذوا القبور مساجد
والإسلام مِن قواعده الإصلاحية أن يسد بين أهله ذرائع الفساد، وتطبيقًا لهذه القاعدة صح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنَّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكُم عن ذلك». [أخرجه مسلم 532].نهى الرسول صلى الله عليه وسلم وشدد في النهي عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وذلك يصدق بالصلاة «إليها»، والصلاة «فيها»، واشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن ذلك كان سببًا في انحراف الأمم السابقة عن إخلاص العبادة لله، وقد قال العلماء: إنه لما كثُر المسلمون، وفكر أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في توسيع مسجده، وامتدت الزيادة إلى أن دخلتْ فيه بيوت أمهات المؤمنين، وفيها حجرة عائشة- مدفن الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر- فبنوا على القبر حيطانًا مرتفعة تدور حوله مخافة أن تظهر القبور في المسجد فيصلي إليها الناس، ويقعوا في الفتنة والمحظور.
تحريم إقامة الأضرحة وتشييد القبور
تلقت لجنة الفتوى بالأزهر السؤال التالي:دُفن «شخص» بطابق علوي ودفن قبلاً والده بالطابق الأرضي من المقبرة، ويُراد نقل الأول إلى مقام شُيِّد له، وبالأرض رطوبة ضاربة بالجدران ظاهرة للعيان حتى إنَّ الجدران لا تُمسِك مواد البناء فيها (الأسمنت)، فهل من أئمة المسلمين من يجيز نقل الميت بعد دفنه؟الجواب: اطَّلَعت اللجنة على هذا، وتفيد: بأنه إذا كان الحال كما ذكر به جاز نقل هذا الميت إلى مكان آخر، ولكن لا يجوز شرعًا نقله على ضريح أو قبة كما يصنعه بعض النَّاس لمن يعتقدون فيه الولاية والصلاح؛ فإن هذا نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقد روى مُسلم وغيره عن أبي هياج الأسدي «حيان بن حصين» عن عليّ رضي الله عنه قال: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ألا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته». [أخرجه مسلم 969].وعن جابر رضي الله عنه قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يُجصص القبرُ وأن يُقعد عليه وأن يُبنى عليه». رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه.ولفظه- أي: الترمذي-: «نهى أن يبنى على القبر أو يزداد عليه أو يجصص أو يكتب عليه».قال الشوكاني في شرحه للحديث الأول: ومِن رفع القبور الدَّاخل تحت الحديث دخولاً أوليًا: القُبَبُ والمشاهدُ المعمورةُ على القبور. إلى أن قال: وكم سَرَى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجَهَلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام: وعَظُم ذلك، فظنَّوا أنها قادرةٌ على جَلْب النفع ودفع الضَّرر، فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج، وملجأً لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدُّوا إليها الرِّحال، وتمسَّحوا بها واستغاثوا.وجملة القول: أنَّ اللجنة ترى تحريم نقل هذا الميت إلى ضريح أو قبر ذي قبة؛ للأحاديث التي ذكرها الشوكاني وغيره، وهي مفاسد تمس العقيدة وتخل بالإيمان الصحيح.
حرمة رفع البناء والقباب على القبور
سُئل (الشيخ: عبد المجيد سليم- رحمه الله): «وقفت امرأة وقفًا، وقررت أن يُعمل من إيراد الوقف تركيبتان من الرخام تُوضع إحداهما فوق قبرها والأخرى فوق قبر زوجها، وقد سمع القائم بتنفيذ الوصية أن هذا الفعل محرم وغير جائز شرعًا، فما الحكم»؟الجواب: اعلم أنه يحرم رفع البناء على القبر ولو للزينة، ويكره للإحكام بعد الدفن، بل تكره الزيادة العظيمة مِن التراب على القبر؛ لأنه منهي عنه؛ لما في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُجصص القبر وأن يُبني عليه»। انتهى، الدر المختار وحاشيته।وفي «الفتاوى الهندية»: «وإذا أوصى بأن يطيّن قبره أو توضع على قبره قبة فالوصية باطلة إلا أن يكون في موضع يحتاج إلى التطيين لخوف سَبع أو نحوه»।وبناءً على ذلك فوضع التركيبتين لا يجوز شرعًا، ومتى كان الأمر كذلك بطل شرط الواقفة شراءهما بالمبلغ الذي عينته، ووجب صرف هذا المبلغ إلى الفقراء ؛ لأن ما بطل صرفه إلى الجهة التي عينها الواقف صُرف إلى الفقراء، وهذا إذا لم يكن في حجة الوقف التي لم يرسلها المستفتي إلينا ما يقضي بصرفه في جهة أخرى غير الفقراء، والله أعلم

اتخاذُ القرار

اتخاذُ القرار
قال تعالى : ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ﴾ وقال عز وجل : ﴿ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ إن كثيراً منا يضطربُ عندما يريد أن يتخذ قراراً ، فيصيبُه القلقُ والحيرةُ والإرباكُ والشكُّ ، فيبقى في ألمٍ مستمرٍ وفي صداعٍ دائمٍ .
إن على العبدِ أن يشاور وأن يستخير اللهَ ، وأن يتأمَّل قليلاً ، فإذا غلب على ظنه الرأيُ الأصوبُ والمسلكُ الأحسنُ أقدم بلا إحجام ، وانتهى وقتُ المشاورةِ والاستخارةِ ، وَعَزَم وتوكَّل ، وصمَّم وَجَزَم ، لينهي حياة التردُّد والاضطرابِ . لقد شاور صلى الله عليه وسلم الناس وهو على المنبر يوم أُحُد ، فأشاروا بالخروجِ، فلبس لأمته وأخذ سيفه ، قالوا : لعلَّنا أكرهناك يا رسول الله ؟ لو بقيت في المدينةِ . قال : (( ما كان لنبي إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يقضي اللهُ بينه وبين عدوِّهِ )) . وَعَزَم صلى الله عليه وسلم على الخروجِ . إن المسألة لا تحتاجُ إلى ترددٍ ، بل إلى مضاءٍ وتصميمٍ وعزمٍ أكيدٍ ، فإن الشجاعة والبسالة والقيادة في اتخاذِ القرارِ . تداول صلى الله عليه وسلم مع أصحابِه الرأي في بدرٍ : ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾ ، ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى ﴾ ، فأشارُوا عليه فَعَزَم صلى الله عليه وسلم وأقدم ، ولم يلوِ على شيءٍ . إن التردٌّد فسادٌ في الرأيِ ، وبرودٌ في الهمَّةِ ، وَخَورٌ في التصميمِ وشَتاتٌ للجهدِ ، وإخفاقٌ في السَّيْرِ . وهذا التردُّدُ مرضٌ لا دواء له إلا العزمُ والجزمُ والثباتُ . أعرفُ أناساً من سنواتٍ وهم يُقدِمون ويُحجمون في قراراتِ صغيرةٍ ، وفي مسائل حقيرةٍ ، وما أعرفُ عنهم إلا روح الشكِّ والاضطرابِ ، في أنفسِهم وفي من حولهم . إنهم سمحوا للإخفاقِ أن يصل إلى أرواحِهم فَوَصَلَ ، وسمحُوا للتشتُّتِ ليزور أذهانهم فزار . إنه يجب عليك بعد أن تدرس الواقعة ، وتتأمَّل المسألة ، وتستشير أهل الرأي، وتستخير ربَّ السماواتِ والأرضِ ، أن تُقدِم ولا تُحجِم ، وأن تُنْفِذ ما ظهر لك عاجلاً غير آجلٍ . وقف أبو بكر الصدِّيق يستشيرُ الناس في حروبِ الردةِ ، فأشار الناسُ كلهم عليه بعدمِ القتالِ ، لكنَّ هذا الخليفة الصدِّيق انشرح صدرُه للقتالِ ، لأن هذا إعزازٌ للإسلامِ ، وقطْعٌ لدابر الفتنةِ ، وسحقٌ للفئاتِ الخارجةِ على قداسةِ الدينِ ، ورأى بنورِ اللهِ أن القتال خيرٌ ، فصمَّم على رأيه ، وأقسم : والذي نفسي بيدهِ ، لأُقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاةِ والزكاةِ ، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدُّونه لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتُهم عليه . قال عمر : فلما علمتُ أن الله شرح صدر أبي بكر ، علمتُ أنه الحقُّ . ومضى وانتصر وكان رأيهُ الطيب المبارك ، الصحيح الذي لا لُبْس فيه ولا عِوَجَ . إلى متى نضطربُ ؟ وإلى متى نراوحُ في أماكنِنا ؟ وإلى متى نتردَّد في اتخاذِ القرارِ ؟ إذا كنت ذا رأي فكنْ ذا عزيمةٍ فإنَّ فساد الرأي أنْ تتردَّدا إنَّ منْ طبيعةِ المنافقين إفشال الخطَّةِ بكثرةِ تكرارِ القولِ ، وإعادةِ النظرِ في الرأي : ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ﴾ . ﴿ الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. إنهم يصطحبون « لو » دائماً ، ويحبون « ليت » ويعشقون « لعلَّ » فحياتُهم مبنيةٌ على التسويقِ ، وعلى الإقدامِ والإحجامِ ، وعلى التذبذبِ ، ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء ﴾ . مرةً معنا ومرةً معهم ، مرةً هنا ومرةً هناك . كما في الحديثِ : (( كالشاة العائرةِ بين القطيعين من الغنمِ )) وهو يقولون في أوقاتِ الأزماتِ : ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ ﴾ । وهم كاذبون على اللهِ ، كاذبون على أنفسهم ، فهم يسرون وقت الأزمةِ ، ويأتون وقت الرخاءِ وأحدُهم يقول : ﴿ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾ । إنه لم يتخذ إلا قرار الإخفاقِ والإحباطِ . ويقولون في الأحزابِ : ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ﴾ . ولكنَّه التخلصُ من الواجبِ ، والتملُّصُ من الحقِّ المبينِ .
اثبتْ أُحُـدُ

إنَّ منْ طبيعِة المؤمنِ : الثبات والتصميم والجزم والعزم ، ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾ ، أما أولئك : ﴿ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ ، وفي قرارِهم يضطربون ، وعلى أدبارِهم ينكصون ، ولعهودِهم ينقضون . إن عليك أيُّها العبدُ إذا لمع بارقُ الصوابِ ، وظهر لك غالبُ الظنِّ ، وترجَّح لديك النفعُ ، أن تُقدِم بلا التواءٍ ولا تأخُّرٍ . اطَّرحْ ليتاً وسوفاً ولعلْ وامضِ كالسيف على كفِّ البطلْ لقد تردَّدَ رجلٌ في طلاق زوجته التي أذاقْته الأمرَّيْن ، وذهب إلى حكيمٍ يشتكيه ، قال: كم لك من سنة مع هذه الزوجةِ ؟ قال : أربع سنواتٍ . قال : أربع سنواتٍ وأنت تحتسي السُّمَّ ؟! صحيحٌ أن هناك صبراً وتحمُّلاً وانتظاراً ، لكن إلى متى ؟ إن الفطِن يعلمُ أن هذا الأمرين يتمُّ أو لا يتمُّ ، يصلحُ أو لا يصلحُ ، يستمرُّ أو لا يستر ، فْليتخذْ قراراً . والشاعرُ يقولُ : وعلاجُ ما لا تشْتهِيـ ـهِ النفسُ تعجلُ الفراقِ والذي يظهرُ من السِّيرِ واستقراءِ أحوالِ الناسِ ، أن الإرباك والحيرة يأتيهم في مواقف كثيرةٍ ، لكن غالب ما يأتيهم في أربعِ مسائل : الأولى : في الدراسةِ واختيارِ التخصُّصِ ، فهو لا يدري أيَّ قسم يسلكُه ، فيبقى في ذلك فترةً . وعرفتُ طُلاَّباً ضيَّعُوا سنواتٍ بسبب تردُّدِهم في الأقسامِ ، وفي الكلياتِ ، فيبقى بعضهم متردداً قبل التسجيل ، حتى يفوته التسجيلُ ، وبعضُهم يدخلُ في قسمٍ سنةً أو سنتين ، فيرتضي الشريعة ثم يرى الاقتصاد ، ثم يعودُ إلى الطبِّ ، فيذهبُ عمرُ شَذَرَ مَذَرَ . ولو أنه درس أمره وشاور واستخار الله في أولِ أمرِهِ ، ثم ذهب لا يلوي على شيء ، لأحرز عمره وصان وقته ، ونال ما أراد من هذا التخصُّصِ . الثانية : العملُ المناسبُ ، فبعضهم لا يعرفُ ما هو العمل الذي يناسبُه ، فمرةً يعتنقُ وظيفةً ، ثم يتركُها ليذهب إلى شركةٍ ، ثم يهجرُ الشركة إلى عمل تجاري بحتٍ ، ثم يحصلُ على العدمِ والإفلاسِ والفقرِ ثم يلزمُ بيته مع صفوفِ العاطلين . وأقولُ لهؤلاءِ : من فُتح له بابُ رزقٍ فلْيلزمْهُ ، فإنَّ رزقه منْ هذا المكانِ ، ومنْ لزم باباً أُوتي سهولته وفَتْحه وحكمته . الثالثة : الزواجُ ، وأكثرُ ما يأتي الشباب الحيرةُ والاضطرابُ في مسألةِ اختيارِ الزوجةِ ، وقد يدخلُ رأي الآخرين في الاختيارِ ، فالوالدُ يرى لولدهِ امرأةً غير التي يراها الابنُ أو التي تراها الأمُّ ، فربما وافق الابنُ رغبة والدِه ، فيحصلُ ما لا يريدُه ، وما يحبَّه ، وما لا يقدمُه . ونصيحتي لهؤلاءِ أن لا يُقدمُوا في مسألة الزواجِ بالخصوصِ إلا على ما يرتاحون إليه في جانبِ الدين والحُسْنِ والموافقةِ ، لأن المسألة مسألةُ مصيرِ امرأةٍ لا مكان للمجازفةِ بها . الرابعة : تأتي الحيرةُ والاضطرابُ في مسألةِ الطلاقِ ، فيوماً يرى الفراق ويوماً يرى المعايشة ويوماً يرى أن يُنهي المعايشة ، وآخر يرى أن يقطع الحبْل ، فيصيبه من الإعياء ، وحُمَّى الروحِ ، وفسادِ الرأي ، وتشتُّتِ الأمرِ ، ما اللهُ به عليمٌ . إن على العبدِ أن يُنهي هذه الضوائق النفسية بقرارِه الصارمِ ، إن العمر واحدٌ ، وإن اليوم لن يتكرَّر ، وإن الساعة لن تعود ، فعليه أن يعيشها سعادةً يشارك فيها بنفسِه ، يشاركُ بنفسِه في استجلابِ هذه السعادةِ ، وتأتي هذه السعادةُ باتخاذِ القرارِ . إن العبد المسلم إذا همَّ وعزم وتوكل على اللهِ بعد أن يستخير ويُشاوِر ، صار كما قال الأول : إذا همَّ ألقى بين همَّيْه عينهُ وأعرض عن ذكْرِ العواقبِ جانبا إقدامٌ كإقدام السيل ، ومضاءٌ كمضاءِ السيفِ ، وتصميمٌ كتصميمِ الدهرِ ، وانطلاقٌ كانطلاقِ الفجرِ ، ﴿ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ ﴾ ।

المصدر : لا تحزن - القرني

السبت، 12 ديسمبر 2009

الطريق الحق إلى السعادة الأسرية

الطريق الحق إلى السعادة الأسرية
إعداد / جمال عبدالرحمن
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وبعد فلقد خلق الله تعالى من كل شيء زوجين اثنين وكانت آية من آياته أن خلق للناس من أنفسهم أزواجاً ليسكنوا إليها وجعل بينهم مودة ورحمة لعلهم يتفكرون وشرع لهم من الدين ما لو تمسكوا به لن يضلوا أبداً، ولا يكون عيشهم كداً، بل تكون حياتهم سعادة ووداً، وإلى الجنة يُحشرون إلى الرحمن وفداً، وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا الأعراف ولقد حَدَّ الله سبحانه وتعالى للأزواج حدوداً، وقسَّم بينهم واجبات وحقوقاً وبين للرجل منهجاً مع امرأته إذا خاف النشوز وكيف يكون التعامل معها، وما يجوز منه وما لا يجوز فهنيئاً بالمودة والرحمة، لمن آتاهم الله الحلم والحكمة، واقتدوا بخير الناس لأهله، محمد خير خلق الله ورسله فسعدوا وسعدت بهم الذرية والأولاد، وبنوا الأسرة المسلمة التي تعرف حق الله وحق العباد، وقلّ في الناس الفساد، وانتشر الأمن وساد
منزلة المرأة في الإسلام
قال الله تعالى وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ الإسراء والتكريم شامل للجنسين؛ الرجل والمرأة، وقد ساوى الله تعالى بين الرجل والمرأة في ضمان الجزاء على العمل فقال تعالى أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ آل عمران بل لما أطاعت المرأة ربها رفع سبحانه قدرها وجعلها من سيدات نساء العالمين، وبنى لها بيتاً في الجنة إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ التحريم ولما عصى زوجها ربه جل وعلا جعل له ولجنوده في قبره النار النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ غافر ومن تكريم الله سبحانه وتعالى للمرأة؛ أن أنزل في القرآن سورة من السّور الطوال وسماها سورة النساء وقد كفل الله سبحانه وتعالى حقوقاً للمرأة مثلما أوجب عليها واجبات، فقال جل شأنه وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ البقرة وقد أوصى رسول الله في حجة الوداع في آخر أيامه بقوله فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله مسلم وقوله استوصوا بالنساء البخاري وبشر المرأة بفتح أبواب الجنة الثمانية لها فقال إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحصنت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها ادخلي من أي أبواب الجنة شئت صحيح الجامع ح ثم نفى الخيرية عن المكثرين من الضرب لزوجاتهم، فقال ليس أولئك بخياركم صحيح الجامع ح ثم أثبت الخيرية والخير لمن أحسن معاملة زوجته فقال خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي صحيح الجامع ح والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة، وما أثبتناه كاف وشاف لبيان المنزلة الحقيقية التي أعطاها الإسلام للمرأة من غير إفراط ولا تفريط
حق المرأة على زوجها
وأعظم من يبين حقوق المرأة على زوجها هو خالقها وبارئها جل وعلا، وقد بين ذلك في كتابه وسنة نبيه فليس ثمة مجال إذَنَ لعلماني مارق، ولا لمأجور فاسق من دعاة تحرير المرأة أن يستحدث للمرأة حقوقاً، جاحداً ومنكراً الحقوق الشرعية التي شرعها خالقها ومن أراد تحرير المرأة، والحديث عن حقوقها؛ فليبحث فيما حدد لها القرآن والسنة إن كان حقاً من المسلمين أما الذي يبحث عن حقوقها في أفكار الغرب، وضلالات غير المسلمين؛ فسبيله غير سبيل المؤمنين وإن تسمى بأسمائهم وانتسب إلى ملتهم ولسنا الآن بصدد الحديث عن جميع حقوق المرأة؛ على أبيها وعلى أهلها، أو أقاربها أو مجتمعها، فلهذا مكان آخر، ولكن حديثنا عن حق المرأة الزوجة التي تسكن بيت الزوجية مع زوجها، ولأنها أضعف الطرفين وأرق الزوجين بدأنا بالحديث عنها وعن حقوقها على زوجها وأول هذه الحقوق ـ أن يبذل الزوج جهده في وقايتها من النار فالله تعالى أمر بذلك في قوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ التحريم ويكون ذلك بتعليمها ما لابد منه من العلم النافع الموصل إلى الله سبحانه وتعالى، ومن العقيدة الصحيحة وأحكام الوضوء والصلاة والصوم وسائر أمور دينها؛ إما بالمحاضرات الدينية أو الأشرطة أو الكتب أو أي وسيلة مباحة ومتاحة تعينها على ذلك وكذلك يعينها في الشيء الذي لو فعلته هي تعرضت للفتنة والحرج، ولا يدعها تخرج لقضاء أمور تتعرض في قضائها للفتنة أو الاختلاط ، فإن ذلك من الإثم وعدم المروءة ـ أن يحسن عشرتها، ويعاملها بالمعروف لقول الله تعالى وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ قال ابن كثير رحمه الله أي طيبوا أقوالكم لهن وحسّنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها فافعل لها أنت مثله، كما قال سبحانه وتعالى وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ البقرة وقال خيرُكم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي صحيح الجامع وكان من أخلاقه أنه جميل العشرة دائم البشر، يداعب أهله ويتلطف معهم ويُوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى أنه كان يسابق عائشة رضي الله عنها يتودد إليها بذلك تقول هي سابقني رسول الله فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقتُه بعد ما حملتُ اللحم فسبقني، فقال هذه بتلك صحيح ابن حبان ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها فيأكل معهن العَشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى بيتها وكان إذا صلى العِشاء فدخل منزله يَسْمُر مع أهله قليلاً قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك وقد قال الله تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ الأحزاب وانظر تفسير ابن كثير للآية وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ إذن فالنبي كان يذهب بعد العِشَاء إلى بيته ويدخل على أهله ويحادثهم ويسامرهم، فلهن عليه حقوق فلينتبه إلى هذا الذين يقضون سهراتهم على المقاهي أو في النوادي أو عند الإخوة ثم يذهب إلى بيته وزوجته نائمة، وربما خرج في الصباح وهي نائمة أيضاً فأين الود والأنس وحسن العشرة؟ ـ ألاّ يطرقها ليلاً إذا طالت غيبته إذا طالت غيبة الزوج عن أهله في سفر أو غيره؛ فالسنة ألا يفاجئ الرجل امرأته بدخول الدار دون أن يكون عندها علم سابق بقدومه، لما في ذلك من المحاذير، كوجودها على حالة غير مرضية من التهيؤ له واستقباله على حالة لائقة وترويعها بالمفاجأة، ونحو ذلك قال الإمام البخاري رحمه الله باب لا يطرق أهله ليلاً إذا طال الغيبة مخافة أن يُخَوَّنهم أو يلتمس عثراتهم وقال بعد ذلك باب تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة وساق في كلا البابين حديث جابر رضي الله عنه، قال كنا مع النبي في غزوة إلى أن قال فلما قدمنا ذهبنا لندخل أي المدينة ، فقال أمهلوا حتى تدخلوا ليلاً عِشَاءً لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة البخاري ، ومسلم والمقصود أن تتهيأ المرأة لاستقبال زوجها الذي طالت غيبته، وأن يدخل عليها وهي على حالة تسره، فإذا علم أنها على علم بوقت وصوله ولو طالت غيبته؛ فلا ضرر في دخوله في أي وقت، وهذا الأمر متيسر في هذا الزمان لوجود وسائل الاتصال السريعة، كالهاتف والبرق والبريد، وبالجملة؛ فإن من أمن الأسرة عدم طروق الزوج أهله ليلاً إذا طالت غيبته إلا إذا علموا قبل قدومه بوقت كاف أن يتجمل لها كما يحب أن تتجمل له صحيح إن النساء نُشّأن في الحلية كما قال تعالى أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ الزخرف وإن الزينة والجمال أكثره لهن، وهي واجبة عليهن؛ لكننا وجدنا الله العليم الحكيم يقول وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ فالمرأة تحب أن ترى زوجها في أفضل صورة ما استطاع وما استطاعت، ولذلك قال ابن عباس مفسر القرآن وترجمانه إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة لأن الله تعالى يقول ولهن مثل الذي عليهن أورده ابن جرير الطبري في تفسيره وقال ابن كثير رحمه الله وحسِّنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها فافعل لها أنت مثله كما قال سبحانه وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ وقد عقّب النبي على قول أحد أصحابه إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً بقوله إن الله جميل يحب الجمال رواه مسلم فهل يتجمل الرجل لله أولاً ثم لامرأته ثانياً؟ وإذا كان الرجل يحب أن يشم من امرأته الرائحة الجميلة؛ فلماذا يزكم أنفها برائحة الدخان البايت في فمه، والذي لا تطاق رائحته؟ وهل هذا من العدل الذي أمر به الله تعالى في قوله ولهن مثل الذي عليهن ؟ الله المستعان ـ ألا يفشي سرها قال إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها مسلم فينبغي على الزوج تجاه زوجته أن يحافظ على أسرارها ويستر من عيوبها، ولا يفشيها لرجل أو امرأة، قريب أو غريب، والنبي يقول من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة مسلم ـ أن لا يتجاهلها، ويُشركها في ما هي شريكة له فيه وذلك مما يشمل الأمور الحياتية والاجتماعية وتربية الأولاد وغيره وهذه الجزئية من أعظم الأمور التي ترفع قدر المرأة وتُشعرها بقيمتها وكيانها، وتدفعها لاحترام زوجها، لأنها رأته يحترمها ويقدر رأيها وفكرها وهذا مما يطرد الشيطان ويقلل المشاكل، والإحسان جزاؤه الإحسان والشرع الحكيم يقدر تفكير المرأة وعقلها حتى عند الأزمات، ولا يغيب عنا دور خديجة وأم سلمة رضي الله عنهما في الإدلاء بالرأي الراجح والعقل الصالح في أوقات تأزمت الأمور فيها أمام النبي وموقف خديجة رضي الله عنها كان عندما عاد النبي من غار حراء مرتاعًا إذ جاءه جبريل، وموقف أم سلمة رضي الله عنها في صلح الحديبية لما اعترض الصحابة على الصلح مع الكفار أول الأمر وقد قال الله تعالى لنبيه يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمً الأحزاب ، وذلك بسبب أنهن سألنه زيادة النفقة والإغداق في العيش، فأمره الله تعالى بتخييرهن ولم يكلفه بقهرهن على أحد الاختيارين، بل لما أراد أبو بكر وعمر أن يضربا ابنتيهما عائشة وحفصة لهذا؛ منعهما الرسول حتى يكون رأي الواحدة منهن عن قناعة واختيار، لا عن تعسُّف وإجبار والرجل الحكيم الحليم يستطيع أن يحيل بيته إلى أجمل بستان، وامرأته إلى أعظم إنسان ونجاح بيت الزوجية في الغالب مسئولية الرجل، وفشله مسئوليته أيضاً ـ أن يشكرها إذا رآها تفعل ما يسره فإن النبي قال من لم يشكر الناس لم يشكر الله أبو داود وعن عائشة أن رسول الله قال من أُتي إليه معروفاً فليكافئ به، ومن لم يستطع فليذكره، فإن من ذكره فقد شكره، ومن تشبع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور صحيح الجامع ولاشك أن الشكر والثناء والدعاء يرفع المعنويات، ويجلب المزيد من العطاء وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ـ مساعدتها فيما ثقل عليها من أعباء فهي بشر والرحمة مطلوبة، فلا يكلفها ما لا تطيق، وأن يراعي ظروفها وحالتها عند المرض، فيكون معها في مهنتها وعجينها وعملها وقد سُئلت عائشة رضي الله تعالى عنها ما كان النبي يصنع في البيت؟ قالت كان يكون في مهنة أهله فإذا سمع الأذان خرج البخاري كيف لا؟ وهو القدوة القائل الراحمون يرحمهم الله، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء صحيح الجامع وعن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي أنه قال وهو على المنبر ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم صحيح الجامع وهذا ليس عيباً ولا نقصاً وإنما هو المروءة والكرم، والرحمة والشفقة ومن لا يرحم لا يُرحم ـ أن يراعي حقوقها العينية التي حددها خير البرية والمقصود بحقها العيني ما يتوفر لها من نفقة وطعام وشراب وهدايا وغيره، وأكثر ما مضى من الحقوق فهي حقوق معنوية تدخل في الأخلاق وحسن المعاشرة والمعاملة بالتي هي أحسن، أما الحق العيني فقد بينه النبي فعن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال قلت يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت أو اكتسبت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت قال أبو داود ولا تقبح، أي أن تقول قبحك الله النسائي ، وصحيح الجامع ح وعليه أن يكون وسطاً في ذلك، فلا يسرف ولا يبخل، قال تعالى إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا الفرقان ونريد أن نلفت النظر هنا إلى أن بعض الأزواج يمن على زوجته بإطعامها وسقيها فيلغي شخصيتها قائلاً أنت تأكلين وتشربين فقط، والبعض إذا سألته زوجته أن يجلس معها بعض الوقت سألها ألست تأكلين وتشربين؟ فماذا تريدين غير ذلك، مثل هذا نذكره بحديث رسول الله ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، المسبل إزاره، والمنان الذي لا يعطي شيئاً إلا منةً، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب صحيح الجامع ـ أن يراعي فيها جانب القصور الفطري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمراً فليتكلم بخير أو ليسكت، واستوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج، استوصوا بالنساء خيراً رواه البخاري ومسلم وأيضاً ما ذكر عنهن من نقص العقل والدين في الوقت الذي يجب ألا يتخذ هذا القصور مبرراً للطعن في شخصية المرأة أو الانتقاص من قدرها في كل آن وحين فليعلم كل أب وزوج أن همة المرأة ليست كهمته، وتحملها للمسئوليات، وثباتها وشجاعتها، ومواجهتها للصعاب، وغير ذلك مما يتفوق الرجل عليها فيه في عموم الأمر؛ ليست المرأة كالرجل فيه، فلابد من مراعاة هذا الفارق حتى لا يذهب يقوم الضلع فيكسره، وكسره طلاقها ـ أن يأذن لها في الخروج لقضاء حوائجها في خارج البيت ما دامت في مأمن من الأخطار والفتن فالمرأة في الأصل يجب عليها أن تلزم بيت زوجها، ولا تخرج منه إلا أن يأذن لها وقد أذن الله تعالى للنساء أن يخرجن لقضاء حوائجهن، وأمر الرسول أزواجهن أن يأذنوا لهن، ودل فعله على ذلك فقد روت عائشة رضي الله عنها، قالت خرجت سودة بنت زمعة ليلاً فرآها عمر فعرفها، فقال إنك والله يا سودة، ما تَخْفَيْنَ علينا، فرجعت إلى النبي ، فذكرت ذلك له، وهو في حجرتي يتعشّى، وإن في يده لَعَرْقاً فأُنزل عليه، فرُفع عنه وهو يقول قد أُذن لكن أن تخرجن لحوائجكن البخاري ، والعَرْق هو العظم إذا أُخِذ عنه معظم اللحم فهذا إذن عام من الله سبحانه وتعالى للنساء أن يخرجن لحوائجهن، ولكن على المرأة أن تستأذن زوجها في خروجها لحاجتها، وقد أمر الرسول الأزواج بالإذن لهن ونهى عن منعهن من حضور الصلاة في المساجد، ويدخل في ذلك زيارة أقاربها وشراء حاجاتها من السوق إذا غاب عنها زوجها أو لم تجد من يحضرها لها ـ أن يتدرج معها عند معالجة أخطائها فيبدأ بما بدأ الله تعالى به لعلاج الأخطاء حيث قال وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا النساء والبركة كل البركة في التوجيه الرباني، والعلاج القرآني فلا يكن الزوج عجولاً أو متهوراً، وعليه بالرفق والحلم والصبر، فإنه زينة الأمر ـ إذا غضب فلا يسبها أو يسب أهلها أو يحط من قدرهم لقول النبي سباب المسلم فسوق ّّ متفق عليه وقوله ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء صحيح الجامع فلا يستخدم الألفاظ البذيئة السوقية كقول بقرة، وحمارة، و و إلى غير ذلك من قاموس البذاءات، فمن ذا الذي يتزوج بالبقرة أو الحمارة؟ كذلك لا ينبغي لذي المروءة والخُلُق أن يجرح شعور زوجته ويخدش كرامتها بسب أهلها أو تحقيرهم أمامها، فإن في ذلك جفاءاً وغلظة، وفُحشاً وفظاظة ونكمل في العدد القادم إن شاء الله تعالى

الجمعة، 11 ديسمبر 2009

يا شباب الإسلام متى كان التفجير من الإسلام ؟!!

يا شباب الإسلام متى كان التفجير من الإسلام ؟!!
د.عبد الله شاكر
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد فالإسلام أمر بلزوم طريق الاستقامة وحذر من طرق أهل الغواية والضلالة، قال الله تعالى فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا ، ومعنى قوله وَلاَ تَطْغَوْا أي لا تتجاوزوا ما أمرتم به وحَدَّه الشرع لكم قال الإمام ابن كثير رحمه الله يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء، ومخالفة الأضداد، ونهي عن الطغيان وهو البغي فإنه مصرعه، حتى ولو كان على مشرك وليعلم المسلم أن للشيطان مدخلين إليه ليضله عن سواء السبيل ويبعده عن الطريق المستقيم يقول ابن القيم رحمه الله ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه الحد وقد أمر الله في كتابه بلزوم حدوده، ونهى عن تعديها، قال تعالى تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ البقرة ، وقد ابتليت الأمة الإسلامية منذ القدم بطوائف غلوا في الدين، وانتهكوا حرمات المسلمين، واعتدوا عليهم بالقتل والتفجير، ولعل آخر ما سمعنا به في ذلك ما وقع من الشاب الذي فجر نفسه أمام سمو الأمير محمد بن نايف حفظه الله وكان قاصدًا إياه، ولكن الله سلم، ولهذا فإني سأورد هنا بعض ما جاء في تعظيم أمر القتل، وفي حكم من قتل نفسه، لعل هؤلاء يفقهون فيرجعون قال تعالى فيما وقع من أحد ابني آدم عليه السلام فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ّّ المائدة قال ابن حجر رحمه الله فأصبح القاتل أخاه من ابني آدم من حزب الخاسرين، وهم الذين باعوا آخرتهم بدنياهم بإيثارهم إياها، فوكسوا في بيعهم وغبنوا فيه وخابوا في صفقتهم وقد رتب الله تعالى على هذا الفعل المنكر الشنيع أمرًا عظيمًا ووعيدًا شديدًا فقال سبحانه مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا المائدة ، ومعنى الآية أنه بسبب الجُرم والقتل الذي قام به الناس ظلمًا وعدوانًا وبغير سبب كتب الله هذا الوعيد الشديد، وقد ساق ابن كثير في تفسيره هذا الأثر فقال وقال الأعمش وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال دخلت على عثمان يوم الدار فقلت جئت لأنصرك وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين فقال يا أبا هريرة أيسرك أن تقتل الناس جميعًا وإياي معهم ؟ قلت لا قال فإنك إن قتلت رجلاً واحدًا فكأنما قتلت الناس جميعًا، فانصرف مأذونًا لك، مأجورًا غير مأزور قال فانصرفْتُ ولم أقاتل قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله معلقًا على هذا الأثر هذا الخبر لم يبين الحافظ ابن كثير مَخْرَجَه، وقد رواه ابن سعد في الطبقات وإسناده صحيح جدًا، وذكره السيوطي في الدر المنثور ولم ينسبه لغير ابن سعد وفي الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها، لأنه أول من سَنَّ القتل والكفل هو الجزء والنصيب والمثل وقال النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث هذا الحديث من قواعد الإسلام وهو أن كل من ابتدع شيئًا من الشركيات عليه وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل إلى يوم القيامة، ومثله من ابتدع شيئًا من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم القيامة، وهو موافق للحديث الصحيح من سن سنة حسنة، ومن سن سنة سيئة وللحديث الصحيح من دل على خير فله مثل أجر فاعله والمراد بمن ابتدع شيئًا من الخير، يعني من فعل شيئًا وأحياه وله أصل صحيح في السنة، لأنه لا يجوز للإنسان أن يخترع شيئًا جديدًا في الشرع من عند نفسه، ويتبين مما سبق تحريم القتل ظلمًا وعدوانًا وأنه جريمة عظيمة، ولا يجوز لأحد أن يستدل بقتل موسى عليه السلام للقبطي لما استغاث به الإسرائيلي، وقد ذكر الله القصة في القرآن في قوله تعالى فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ القصص ، لأن قتل موسى عليه السلام لهذا الرجل وقع من باب الخطأ، وقد تأسف موسى على فعله وندم عليه وتاب منه، وسمى ما فعله ظلمًا قال ابن جرير في تفسير الآية وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدة في البطش، فوكزه موسى وكزة قتله منها وهو لا يريد قتله، فقال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين وقال البغوي رحمه الله ندم موسى على فعله ولم يكن قصده القتل وقد صح الخبر عن النبي بأن ما وقع فيه موسى كان من باب الخطأ، كما جاء في صحيح مسلم أن سالم بن عبد الله بن عمر قال يا أهل العراق ما سؤالكم عن الصغيرة وترككم للكبيرة، سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول سمعت رسول الله يقول إن الفتنة تجيء من ههنا ، وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان ، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ وقول سالم بن عبد الله ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم الكبيرة يشير بذلك إلى ما جاء عن أبيه في صحيح البخاري عن ابن أبي نُعْم قال كنت شاهدًا لابن عمر وسأله رجل عن دم البعوض فقال ممن أنت؟ قال من أهل العراق، قال انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن النبي ، وسمعت النبي يقول هما ريحانتاي من الدنيا ويعني بهما الحسن والحسين رضي الله عنهما، وقد نهى الله تعالى في كتابه عن قتل النفس بغير حق، فقال وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ، وقد وردت في سورتي الأنعام ، والإسراء ، وذكر الله صفات عباد الرحمن في كتابه ومنها قوله تعالى وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا الفرقان ، وقال تعالى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا النساء قال ابن كثير وهذا تهديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، والآيات والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدًا فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال قال رسول الله أول ما يُقْضَى بين الناس يوم القيامة في الدماء وقد أكد النبي حرمة المسلمين وأموالهم وأعراضهم بتشبيهها بحرمة الزمان والمكان، وكان ذلك في حجة الوداع في البلد الحرام، فعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ؛ السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان ، ثم قال أي شهر هذا ؟ قلنا الله ورسوله أعلم، قال فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليس ذا الحجة ؟ قلنا بلى، قال فأي بلد هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم، قال فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال أليس البلدة؟ قلنا بلى، قال فأي يوم هذا ؟ قلنا الله ورسوله أعلم قال فسكت حتى ظننا أنه سيمسيه بغير اسمه قال أليس يوم النحر؟ قلنا بلى يا رسول الله، قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، فلا ترجعوا بعدي كفارًا أو ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض وقال النووي في شرحه للحديث هذا السؤال والسكوت والتفسير أراد به التفهيم والتقرير والتنبيه على عظيم مرتبة هذا الشهر والبلد واليوم، وقولهم الله ورسوله أعلم هذا من حسن أدبهم وأنهم علموا أنه لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب، فعرفوا أنه ليس المراد مطلق الإخبار بما يعرفونه، والمراد بهذا كله بيان توكيد غلظ تحريم الأموال والدماء والأعراض والتحذير من ذلك وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال النبي أول ما يقضى بين الناس في الدماء قال ابن حجر في شرحه للحديث ولا يعارض هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رفعه إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته الحديث أخرجه أصحاب السنن، لأن الأول محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق، والثاني فيما يتعلق بعبادة الخالق ، وفي الحديث عظم أمر الدم، فإن البداءة إنما تكون بالأهم، والذنب يعظم بحسب عظم المفسدة وتفويت المصلحة، وإعدام البنية الإنسانية غاية في ذلك، وقد ورد في التغليظ في أمر القتل آيات كثيرة وآثار شهيرة وقد حرم الإسلام أيضًا قتل الذمي والمعاهد والمستأمن، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي ، قال من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله باب إثم من قتل معاهدًا بغير جرم ، كما ذكره في كتاب الديات تحت باب باب إثم من قتل ذميًا بغير جرم قال ابن حجر رحمه الله كذا ترجم بالذمي، وأورد الخبر في المعاهد وترجم في الجزية بلفظ من قتل معاهدًا ، كما هو ظاهر الخبر، والمراد به من له عهد مع المسلمين سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم، وكأنه أشار بالترجمة هنا إلى رواية مروان بن معاوية فإن لفظه من قتل قتيلاً من أهل الذمة وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال قال رسول الله من قتل معاهدًا في غير كُنْهه حرَّم الله عليه الجنة والمعاهد هو الذي يكون بينك وبينه عهد، وأكثر ما يطلق في الحديث على أهل الذمة، ومعنى في غير كنهه أي وقته وقدره، وقيل غايته، والمراد أنه لا يجوز قتله في غير وقته أو غاية أمره الذي يجوز فيه قتله وقد أوجب الله تعالى في قتل المعاهد خطأ الدية والكفارة، قال تعالى وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ّّ النساء ، أما من يقتل نفسه بتفجيرها أو غيره ظنًا منه أنه من المجاهدين الصادقين فقد خاب ظنه ووقع في إثم عظيم وهو متوعد بعذاب شديد، قال الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا النساء ، وموطن الشاهد من الآية وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ، فلا يباح بحال من الأحوال أن يقتل أحد نفسه حتى ولو اشتدت عليه المصائب، بل عليه بالصبر، والمؤمن في السراء والضراء على خير، وقد ذكر المفسرون وجهين في الآية الأول لا تقتلوا من كان من جنسكم من المؤمنين، فإن المؤمنين كلهم كنفس واحدة، والثاني النهي عن قتل الإنسان نفسه، وهذا الثاني أشبه بالصواب كما ذكر الحافظ ابن كثير وقد توافرت الأخبار في النهي عن قتل الإنسان نفسه والوعيد عليه، ومن ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال من تردَّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسَّى سُمًا فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا وقد ذكر ابن حجر في شرح الحديث أنه من أحاديث الوعيد وأولى ما حمل عليه أن هذا جزاء فاعل ذلك الإنسان إلا أن يتجاوز الله عنه وختامًا أقول للشباب المسلم ومن يحرض على ذلك اتقوا الله في أنفسكم واحذروا الوعيد الشديد لقاتل نفسه أو غيره، واعلموا أن ما تقومون به من سفك للدماء وقتل للأبرياء ليس من الإسلام في شيء، بل هو من تلبيس الشيطان، وعلى أصحاب المناهج المنحرفة الذين يربون الشباب على هذه الأفكار الخارجة والبعيدة عن الإسلام أن يرجعوا إلى الحق والصواب، وما ذكرته من آيات وأحاديث وأقوال لأهل العلم فيه كفاية لمن أراد سلوك طريق الصحابة والتابعين، وهو الواجب على جميع المسلمين، وقبل نهاية هذا المقال أذكر بهذين الحديثين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي قال لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار قُلْتُ قد ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حق، فكيف بقتل الآدمي، فكيف بقتل المسلم، أسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وأن يعصمنا من الزلل في القول والعمل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الخميس، 10 ديسمبر 2009

فربما صحَّتِ الأجسامُ بالعللِ

فربما صحَّتِ الأجسامُ بالعللِ
ذكر أهلُ السيِّرِ : أن رجلاً أصابه الشللُ ، فأُقعد في بيته ، ومرتْ عليه سنواتٌ طوالٌ من المللِ واليأسِ والإحباطِ ، وعَجَزَ الأطباءُ في علاجِه ، وبلَّغوا أهله وأبناءه ، وفي ذات يومٍ نزلتْ عليه عقربٌ من سقفِ منزلِه ، ولم يستطعْ أن يتحرك من مكانِه ، فأتتْ إلى رأسِه وضربتْه برأسِها ضرباتٍ ولدغتْه لدغاتٍ ، فاهتزَّ جسمُه من أخمصِ قدميه إلى مشاشِ رأسِه ، وإذا بالحياةُ تدبُّ في أعضائِه ، وإذا بالبُرءِ والشفاء يسير في أنحاءِ جسمِه ، وينتفضُ الرجلُ ويعودُ نشيطاً ، ثم يقفُ على قدميه ، ثم يمشي في غرفتِه ، ثم يفتحُ بابه ، ويأتي أهله وأطفاله ، فإذا الرجلُ واقفاً ، فما كانوا يصدِّقون وكادوا من الذهول يُصعقون ، فأخبرهم الخَبَرَ . فسبحان الذي جعل علاج هذا الرجلِ في هذا !! وقد ذكرتُ هذا لبعضِ الأطباءِ فصدَّق المقولة ، وذكَرَ أن هناك مصْلاً سامّاً يُستخدم بتخفيفٍ كيماويٍّ ، ويعالجُ به هؤلاءِ المشلولون . فجلَّ اللطيفُ في علاه ، ما أنزل داءً إلا وأنزل له دواءً .