الثلاثاء، 10 نوفمبر 2009

تصرفات مرفوضة عند الأطفال ثانيًا: الكذب عند الأطفال

تصرفات مرفوضة عند الأطفال ثانيًا: الكذب عند الأطفال: إعداد: فضيلة الشيخ جمال عبد الرحمن
************
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: سؤال محير يتردد على أذهان الآباء والأمهات والمربين، يقفون عاجزين عن الإجابة عليه، هذا السؤال: لماذا يكذب الأطفال ؟ وما علاج ذلك ؟ والذي يزيد الحيرة عند الوالدين أنهما يبذلان الجهد الكبير لتربية الطفل تربية ناجحة، وتعليمه وتلقينه مبادئ الإسلام الحميدة، إضافة إلى حكاية القَصَص الذي يدعو إلى الصدق ويمنع من الكذب. أسباب الكذب: والذي يدفع الأطفال للكذب أمور: 1- الدفاع عن النفس: ويظهر هذا السبب بكثرة في الأسر التي تستخدم العقاب كثيرًا في تعاملها مع أولادها، ويتحول فيها الأب من شخص ينبغي أن يكون واسع الحلم ومحاولاً ذلك؛ إلى رجل كثير التدقيق والتحقيق، فيلجأ الطفل إلى الكذب ليدفع عن نفسه التهمة، حتى لو ألصقها بالآخرين. 2- القسوة: ويلجأ إليها الطفل حينما يتذكر المواقف العصيبة، والذكريات المؤلمة، التي تذكره بضربه والقسوة عليه إذا هو خالف أمر الأبوين أو كانت إجابته على أسئلتهما غير مرضية لهما. 3- التقليد: وهو من أهم أسباب الكذب، إذ يمثل أسلوب تقليد النماذج وسيلة رئيسة للتعلم في سنوات الطفولة المبكرة، وحين يمارس الكبار أمام الطفل سلوك الكذب فإنه ينظر إليه باعتباره سلوكًا مباحًا وجائزًا ومرغوبًا فيه، فمثلاً حينما يتهرب الأب أو الأم من ضيف ثقيل بأن يطلب من الطفل القول بأنه خارج البيت، أو حين يسمع الطفل من أبيه مبالغات في الحديث عن شخصيته وحياته وممتلكاته أمام الناس، مع علم الطفل بالحقيقة المخالفة لما يقوله والده، أو حين يقول الوالدان للطفل أنه خارج لنزهة ثم يذهبان به إلى الطبيب، أو يعدانه بهدية إذا قام بعمل ما أو سلك سلوكًا يطلبانه منه ثم لا يمنحانه تلك الهدية، ويكون الأمر أكثر تعقيدًا حين يكون الأب نفسه مُطالبًا ولده بالصدق وهو ما يزال يمارس الكذب وأمره مكشوف. 4- التفاخر: ويمارس الطفل هذا السلوك للحصول على إعجاب الآخرين واهتمامهم، وهنا يخفي الطفل شعوره بالنقص أمام الآخرين، ويحاول أن يملأ هذا الفراغ النفسي في أعماقه بالكذب محاولاً تعظيم ذاته وإعلاء شأنها. 5- التقرب من الآخرين: الطفل يحاول أن يستحوذ على اهتمام الآخرين وإعجابهم به، فيبذل جهده في القيام بأعمال يحبونها، ويحاول التجمل بتقمص دور شخصيات ترفع من شأنه وهو ليس كذلك. 6- العدوانية ومعاقبة الآخرين والفرح لذلك: وهنا يدعي الطفل أن طفلاً آخر قام بأعمال مشينة، وهو يقصد بذلك تعريض ذلك الطفل للعقوبة ليشبع هو رغبته في إيذاء الغير، وكثيرًا ما يلجأ إلى ذلك الأطفال الذين يشعرون بعدوانية مكبوتة لا يمكنهم تفريغها؛ إما لعجزهم الجسدي، أو لتقييد الأنظمة الأسرية أو المدرسية لهم، فيسعى هنا إلى أن يقوم المعلمون والمسئولون بما كان يريد أن يفعله هو من عقوبة الآخر. 7- الولاء المذموم: ويقصد به هنا أن الطفل لحبه لمجموعة من الرفاق يحاول تضليل المربين والمسئولين، حتى لا يعاقبو صديقًا من أصدقائه ومن يوالونه من أقرانه. 8- عدم الثقة: وهذه مصدرها الوالدان، فإذا شعر الطفل أن الوالدين لا يثقان فيه ولا بكلامه عندما يخبرهما بحقيقة؛ فإنه يستوي عنده الصدق مع الكذب فيكذب. 9- إصرار الكبار على تسميته كذابًا: الطفل لو كان صادقًا وأراد الصدق فيواجهه من يتهمه بالكذب ويسميه كذابًا، عندها يلجأ إلى الانتقام بأن يعمد إلى الكذب. 10- المكسب الشخصي: وهذا يلجأ إليه الطفل عادة للوصول إلى غايته، والحصول على بغيته خاصة إذا رأى أنه لن يصل إليها من خلال الحقيقة والصدق. من كل ما تقدم يلجأ الطفل إلى أشكال كثيرة للكذب منها: 1- قلب الحقيقة. 2- المبالغة. 3- اختلاق الكذب ونسجه وترويجه. 4- السكوت عن الحقائق وشهادة الحق. ويمكن القول: إن الكذب عند الأطفال ما هو إلا محصلة لعوامل بيئية وعوامل ذاتية داخل نفوس الأطفال. فأما العوامل البيئية كالبيت والمدرسة والمجتمع، فهي الأماكن الهامة التي يرتادها الطفل بصورة دائمة، وهي التي يتأثر بها. أولاً: البيت: فالطفل الذي ينشأ في بيت ذي أسرة تلتزم الصدق بصورة دقيقة يظهر أثر ذلك على سلوك الطفل، فينشأ على ما عوده الأبوان. أما الأسرة التي تمارس الكذب فإنها تعلم أولادها ذلك فينشأون أيضًا على ما عُوِّدوا. ومثال ذلك: إذا رن جرس البيت، أو دق جرس الهاتف وقام الصبي بالرد، فيسأل المتصل عن الوالد، فيشير الوالد بأن يخبر الطفل السائل بأنه غير موجود، ويضطر الصبي – رضي أو أبى – أن يكذب، فإذا تعود الطفل هذه العادة السيئة فإنه يتعود طوال حياته على الكذب، إلا أن يتغمده الله برحمته، فالطفل يلتقط ويقلد. ثانيًا: في المدرسة: الطفل يرى زملاءه يكذبون ليخرجوا من عقاب مدرسهم، بل يتفاخرون بأنهم احتالوا وأفلتوا من العقوبة بالكذب، والأدهى من ذلك أن يرى الطلاب مدرسهم يكذب عليهم، ويرون المدرس يكذب على من يرأسه ليخرج من المدرسة مثلاً، وآخر يزور شهادة مرضية، ويحكي ذلك أمام أبنائه وتلاميذه، فكيف سيكون سلوك الأبناء بعد ذلك ؟ ثالثًا: في الشارع والسوق: حيث انتشر الكذب، فالبائع يكذب ويزين السلعة، ثم إذا انصرف المشترون يكتشفون أن البائع غشهم وكذب عليهم.. هذه العوامل التي تنتج عن غياب القدوة تجعل الطفل يتعود على الكذب ولا يستنكره بعد ذلك. النظرة الخاطئة للصدق يشجع على الكذب: في المجتمع من ينظر إلى الصادق على أنه طيب القلب لا يستطيع المحاورة والمناورة، وأن هذا الأسلوب لا يصلح في المجتمعات العصرية التي صار الناس فيها ذئابًا وأسودًا، وثعالب وفهودًا، وعلى العكس ينظرون إلى الكاذب بأنه داهية وصاحب مكر وعقل يلف ويدور، ويلفق ليكسب ويربح. يكذب الطفل أحيانًا متعمدًا ليحقق رغبات وهمية، ويكون ذلك غالبًا إذا رأى غيره خيرًا منه، وعلى الوالدين في هذا جهد كبير ينبع من منهج نبوي، يربط الطفل بدينه وبنبيه صلى الله عليه وسلم، وأن أكرم الناس عند الله تعالى أتقاهم، وأن الجنة يدخلها الفقراء قبل الأغنياء، وأن الرجل السمين الوجيه قد يؤتى به يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة. كما يكذب الطفل أيضًا ليستولي على مزيد من شهواته، وهنا يُعلم القناعة، وقصص الصحابة وحياة النبي صلى الله عليه وسلم وطعامه وشرابه، وسيرة شباب السلف الصالح وما كانوا يتمتعون به من كريم الخصال، على قلة المتاع والمال. كذلك الخوف والجبن، فإذا كان الأبوان ممن يشدد العقوبة للطفل والزجر والتوبيخ فإن الطفل كي ينجو من - وجهة نظره– من هذه العقوبة إذا عمل الخطأ فإنه يلجأ إلى الكذب. علاج الكذب عند الأطفال: علاج الكذب نوعان: 1- تحصين الطفل بحيث لا يقع في الكذب. 2- نهيه عنه إذا وقع فيه. ولتحقيق هذين الأمرين ينبغي الآتي: 1- ربط الطفل بقدوة صالحة تحثه على مكارم الأخلاق في كل جوانب تعامله مع المجتمع ؛ أ- البيت، ب- المدرسة، جـ- المسجد، فلا يكذب الوالدان أمام الأطفال ولو في المزاح، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم عبد الله بن عامر لما نادته وقالت: تعال أعطيك ؟ فقال لها صلى الله عليه وسلم: «ما أردت أن تعطيه؟» قالت: أعطيه تمرًا. فقال: أما إنك لو لم تعطيه كُتبت عليك كذبة». ولا بد أن يعلم الوالدان والمربون بأن الكذب خيانة والصدقة أمانة، وأن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، كما أن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، كما وضح ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود رضي الله عنه بصحيح مسلم. 2- الحكايات والقصص التي تبين حلاوة الصدق وجزاء الصادقين، وقبح الكذب والكذابين، هي أيضًا من وسائل الإيضاح التي يستفيد منها الطفل ليكون صادقًا، وقد قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } [التوبة: 119]. 3- متابعة الطفل للتأكد من تصرفاته عند مدرِّسه، وعند مربيه وعند أصدقائه، { وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا }. 4- معرفة مشاكل الطفل النفسية وما يخفيه وما يقلقه ورغباته وشهواته لترشيدها وتوجيهها توجيهًا سديدًا يحفظ على الطفل خُلُقَهُ وصدقه. 5- الثناء على الطفل إذا رُؤي منه الصدق ومدحه على ذلك وإثابته، فإن ذلك يزيد من ثقته في نفسه ويجعل الطفل حريصًا على أن يكون صادقًا، بل يحفز إخوانه على أن يكونوا مثله. 6- أن يعامل الطفل بمبدأ إحسان الظن، وحسن النية، ويعامل على أنه صادق فإذا عُلِم منه كذب فلا يُعيَّر به دائمًا أو يقال له: أنت كذاب! حتى لا يترسخ في ذهنه أنه كذاب فيستبيح الكذب بعد ذلك. 7- طفلك ليس أنت، فغالبًا ما يحدث مع صغار الأطفال أن يكذبوا وهم لا يعرفون الكذب وعواقبه وقبحه عند الله ورسوله، وهنا تنفع الليونة والترغيب، والنهي اللطيف عن مثل هذه السلوكيات، مع الوعد بالجزاء والثواب عند تغيير الحال، ولا ينبغي أن يعد المربي بشيء لا يقدر على الوفاء به لكي لا يكون كذابًا هو الآخر، فإذا قدر على الوفاء وفَّى، وإلا اعتذر بصورة لائقة ومرضية مع الإقناع بأنه عند تيسر الأحوال سيُنجز للطفل ما وُعِد به. والله الموفق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق