الثلاثاء، 10 نوفمبر 2009

لم يدفن النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده

لم يدفن النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده بقلم : فضيلة الشيخ / محمد على عبد الرحيم
*************
إن تعجب فعجب قول أولئك الذين يشاقون الله ورسوله : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفون في مسجده" دفاعاً عن السنة السيئة التي احدثها الشيعة الفاطميون بمصر في القرن الخامس الهجري، مبتدئين بجمجمة مجهولة، أتى بها زنديق متقربا إلى الخليفة الفاطمي، بقوله : هذا رأس جدك الحسين. فأقام الخليفة الدنيا وأقعدها، وشيد لها المسجد المشهور بالقاهرة المسمي بمشهد الحسين (رضي الله عنه) وظل أكثر المصريين يقدسون ضريحه حتى أتى حين من الدهر واتصلت الحكومة المصرية بأكبر مصنع في برمنجهام بانجلترا، وصنع للقبر المقصورة النحاسية على الضريح المجهول، أو بالأحرى على الرأس المزيف. حقق ذلك المؤرخ المشهور أحمد زكي باشا في عام 1925م، وغيره من المؤرخين. أما المحققون من علماء الإسلام، فعلى رأسهم شيخ الإسلام احمد بن تيمية، رحمه الله تعالى، حقق ذلك في كتبه ونفى نفياً قاطعاً، أن رأس الحسين بمصر. وبمضي الزمن، اعتقد الناس أن القبر المسمى بقبر الحسين في مسجد الحسين حقيقة واقعة، والناس معذورون في هذا الوهم، لأن الحكومة وعلي رأسها وزارة الأوقاف المصرية، تشارك العامة بإقامة مولد الحسين كل عام، وللأسف الشديد نرى العلماء يشجعون هذه الخرافة ويقرون العامة على ما صنعوا. ثم سارت العدوى إلى مشايخ الصوفية - وهم طوائف لا حصر لها - فإذا مات شيخ من مشائخهم خلعوا عليه الولاية، ووصفوه (بالعارف بالله) - وكثير منهم لا يعرف لهم فضل ولا علم - واتخذوا لقبره مسجداً، يشد إليه الرحال، ويلجأ إليه في الشدائد، ويلتمس من قبره قضاء الحاجات وتفريج الكروب. وسدا لذريعة الشرك بالله لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من اتخذ أى قبر مسجداً، ولو كان نبي أو تقي. وجاءت النصوص صريحة في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذوا القبور مساجد. ولكن سدنة القبور، والذين يأكلون النذور كتموا الحق، ولم يبينوه للناس فاستحقوا لعنة الله ورسوله. أما قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فكثير ممن يزورون المسجد النبوي الشريف يعتقدون أنه عليه الصلاة والسلام مدفون في مسجده، واتخذوا من هذا الوهم ذريعة لصحة اتخاذ القبور مساجد. ومنهم شيخ للأزهر، ومنهم وزير سابق للأوقاف، ومنهم قادة للشباب، ومنهم من تصدر للفتيا بالاذاعة والتليفزيون، وكل هؤلاء يتناسون قول المعصوم صلى الله عليه وسلم :- 1) عن عطاء بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه مالك في الموطأ. 2) وروي أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. 3) وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها : أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور. فقال (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح - أو العبد الصالح - بنوا على قبره مسجد وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله). 4) وفي الصحيحين عن عائشة قالت : لما نزل (بضم النون للبناء للمجهول) برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه (وهذا في مرضه الأخير صلى الله عليه وسلم) فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك : لعنة الله على اليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا قالت : ولولا ذلك أبرز قبره (بضم الهمزة) غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً. هذه النصوص الصريحة كتمها الذين أضلهم الله على علم، فضلوا وأضلوا، لأنهم شرار الناس كما جاء في حديث ابن مسعود السابق ذكره. وهم في ذلك ينطبق عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم (ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) وقال تعالى ( لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ)) [النحل:25]. ولقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم اتخاذ القبول مساجد، سداً لذريعة الشرك، وقد حصل ما خافه النبي صلى الله عليه وسلم من الضراعة عندها بل ومنهم من يسجد لها. وأكثر من يزور هذه القبور يرجون ما لا يرجون من الله تعالى. هذا الحق الواضح لا يبينه أئمة المساجد ذات القبور، خشية أن يفقدوا المنافع الدنيوية الممثلة في النذور التي يقدمها الدهماء والجهلة من الناس في الموالد وكلما زاروا ضريحاً لا يسمع ولا يجيب. وهم أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون. وكلما نصح الناصح قيل له ((أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ))[يونس:62] وما دروا أن ولي الله هو الذي يحيا على طاعة الله تعالى. يجمع بين صحة الايمان والعمل الصالح، والخلق الحسن، طعامه طيب وخلقه طيب، ان جالسته نفعك،وان جاورته نفعك، وان عاشرته نفعك بعلمه وخلقه وسلامة عقيدته. يخرج من هذا الدجالون من رجال الطرق، الذين يتظاهرون بالصلاح، ويأكلون أموال الناس بالباطل. فالذين يعتقدون صحة اتخاذ القبور مساجد، كلما زاروا المسجد النبوي الشريف، ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم مدفون في مسجده جريا على عادة رجال الطرق،ومن على شاكلتهم ممن يحرفون الكلم عن مواضعه. والحقيقة التي لا مرية فيها، والتي دونتها السنة الشريفة، وسجلها التاريخ، هي أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن في حجرة عائشة رضي الله عنها، التي مرض فيها ففاضت روحه الطاهرة بها. حين علم عنه صلى الله عليه وسلم قبل وفاته أن الأنبياء يدفنون حيث تقبض أرواحهم. ومن أجل ذلك دفن في حجرة عائشة رضي الله عنها. والسبب في عدم دفنه في المسجد هو نهيه صلى الله عليه وسلم، عن ذلك كما أسلفنا. وكان صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على اتباعه، كما أنهم أشد حباً له، ومع ذلك فلم يدفنوه بالمسجد تكريماًً له، كما يفعل المبتدعون في اتخاذ القبور مساجد مغالاة في حب الصالحين. ودفن مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك صاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ولما قتل عثمان أريد دفنه معهما. فقالت عائشة : لا أتخذ حجرتي مقبرة بعد الآن، ولم توافق على دفن عثمان مع الشيخين. وفي عام 17 هـ ضاق المسجد بالناس. فأجري عمر بن الخطاب رضي الله عنه، التوسعة الأولي من اللبن غير أنه وضع أساسه من الحجر، فأنكر عليه بعض الصحابة أن يحدث بدعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ما أردت إلا الخير، أردت منع خطر السيول من أن تؤثر في المسجد، ثم عمل السواري والسقف من جذوع النخل والجريد،وقال للبناء : أكن - بتشديد النون - الناس من المطر، واياك أن تحمر ، أو تصفر، فتفتن الناس. وبناه على البساطة الأولي كبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه التوسعة من الغرب والشمال، دون المساس ببيت رسول الله صلى الله عليه وسلم،الذي يقع شرقي المسجد. وفي عام 24 هـ ضاق المسجد بالعاصمة الإسلامية (المدينة المنورة) تبعاً لاتساع الدولة الإسلامية. فأجري عثمان رضي الله عنه التوسعة الثانية، وامتدت إلى الجنوب والشمال والغرب، أما الجانب الشرقي الذي يقع فيه البيت الشريف فلم يمس، حتى يكون القبر على حاله منفصلاً عن المسجد، وذلك صيانة للتوحيد الذي دعت إليه الرسل، ولكي لا تتعلق قلوب بالقبر، ولو شاهدنا ما يفعله الناس عند المقبورين بالمساجد ، كالبدوي والدسوقي وغيرهما، من الصلاة بجوار القبر تبركاً، أو الاستعانة به في جلب منفعة، أو دفع مضرة، والنذر له من دون الله لأدركنا الحكمة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، سداً لذريعة الشرك، لأن النذر والاستعانة والرجاء والتوكل والخشوع وغيرها : كل ذلك من حق الله وحده. فلو صرفها العبد إلى غير الله تعالى وقع في شرك لا يغفره الله تعالى، حيث قال جل شأنه ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء:48]. متي ضم القبر الشريف إلى المسجد كان العداء مستحكماً بين خلفاء بني أمية، وبين أبناء الحسن والحسين رضي الله عنهما، وكان الوليد بن عبد الملك بن مروان ظالماً غشوماً، اتخذ من مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وسيلة لخدمة سياسته. فلما حج عام 80 هـ بعد أن آلت إليه الخلافة، وزار المدينة المنورة، وخطب الناس يوم الجمعة، وبعد الصلاة لم يقبل عليه أهل المدينة للسلام عليه، وحانت منه التفاتة إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا بالحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب ترنو إليه الأنظار محبة تقديراً واحتراماً.وكانت تسكن معه في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجه فاطمة بنت الحسين رضي الله عنهم أجمعين. فعز على الوليد ألا يحفل به الناس، وألا يهتموا به بصفته خليفة للمسلمين، فتمكن منه الحقد على أبناء على رضي الله عنه، وعمل على تشتيتهم في الأمصار. واستعمل المكر والخديعة في ذلك. فأعلن أنه يريد تجديد المسجد النبوي الشريف وتوسعته، وأصدر أمره إلى أمير المدينة بهدم المسجد واضافة بيت الرسول كله بما فيه القبر إلى المسجد بحجة توسعته. ولما قيل للحسن بن الحسن، وزوجه فاطمة بنت الحسين : لا بد من الرحيل من البيت .. أبيا أن يخرجا بذريتهما، فأرسل إليهم الوليد : إن لم تخرجوا هدمناه على رؤسكم، وتم تنفيذ أمر الوليد. وانتقل أبناء الحسن والحسين إلى الحيرة بالعراق. وتمت التوسعة الثالثة للمسجد بعد ضم البيت الشريف إليه وذلك عام 88هـ. ومن هذا يتضح أن قرار الوليد بتوسعة المسجد النبوي عمل لم يرد به وجه الله تعالى.. ولكن للكيد لأحفاد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لا يكون لهم قرار بالمدينة. فالعمل سياسي لا ديني كما أسلفنا. وغني عن البيان أن هذا العمل أثار سخط المسلمين، فقد روى عن نصار الخراساني،قال (أدركت حجرات النبي صلى الله عليه وسلم من جريد على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت أمر الوليد بن عبد الملك بإدخال حجرات النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، فما رأيت يوماً اشتد فيه البكاء أكثر من ذلك اليوم) يقصد البكاء على تشتيت آل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان سعيد بن المسيب حياً يرزق فقال (والله لوددت أنهم تركوها على حالها) يعني حجرات النبي صلى الله عليه وسلم. هذا ولما تم بناء المسجد جاء الوليد من دمشق إلى المدينة، وأخذ يتجول في المسجد، معجباً فخوراً ببناء المسجد بالزخرفة التي أدخلت عليه، مما لم يكن للمسلمين عهد ببناء المساجد بالزخرفة والقباب على طريقة الكنائس، وكان أبان بن عثمان بن عفان لا يزال حياً. فأخذ الوليد بيده وطاف بالمسجد وقال لأبان رضي الله عنه (أين بناؤنا من بنائكم) فكان جواب أبان على الفور (لقد بنيناه بناء المساجد، وأنتم بنيتموه بناء الكنائس). فبهت الوليد. وكانت الكلمة كالصاعقة في أذنه، لأن توسعة عمر ثم عثمان للمسجد النبوي الشريف. كانت مستوحاة من بساطة الإسلام في عمارة المساجد دون أن تخالطها الزخارف والحمرة والصفوة وغير ذلك مما يشغل الناس ويصرفهم عن الخشوع في الصلاة. وكانت المساجد في الصدر الأول من الإسلام كجامع عمرو بن العاص، والمسجد النبوي، ومسجد على بالكوفة.. كانت تنطق ببساطة الإسلام وقوته. ثم خلف من بعدهم خلف اهتموا بزخرفة البنيان، مع ضعف الإيمان. والله أعلم
محمد على عبد الرحيم
مصادر البحث :- 1- وفاء الوفا بأخبار المصطفى للسمهوري. 2- الرحلة الحجازية للبتانوني. 3- البداية والنهاية لابن كثير. 4- منزل الوحي لمحمد حسين هيكل باشا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق