الأربعاء، 7 أكتوبر 2009

منزلة السنة من الدين

منزلة السنة من الدين
فضيلة الشيخ د/ محمد بن محمد أبو شهبة
القرآن الكريم هو الأصل الأول للدين ، والسنة هى الأصل الثانى ، ومنزلة السنة من القرآن أنها مبينة وشارحة له تفصل مجمله ، وتوضح مشكلة ، وتقيد مطلقه ، وتخصص عامة ، وتبسط ما فيه من إيجاز ، قال تعالى : " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " ( النحل : 44 ) وقال : " وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ " . ( الشورى : 52-53 ) .
وقد كان النبى صلوات الله وسلامه عليه يبين تارة بالقول وتارة بالفعل وتارة بهما ، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه فسر الظلم فى قوله سبحانه : " الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ " ( الأنعام : 82 ) بالشرك ، وفسر الحساب اليسير بالعرض فى قوله سبحانه : " فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا " . ( الانشقاق : 7-9 ).
وأنه قال : " صلوا كما رأيتمونى أصلى " رواه البخارى .
وأنه قال فى حجة الوداع : " لتأخذوا مناسككم فإنى لا أدرى لعلى لا أحج بعد حجتى هذه " وفى رواية " خذوا عنى مناسككم " رواه مسلم وأبو داود والنسائى .
وروى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه عن عبادة بن الصامت فى قوله تعالى : " أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا " . ( النساء : 15 ) .
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خذوا عنى ، خذوا عنى ، خذو عنى قد جعل الله لهن سبيلاً ، البكر بالبكر جلد مائة ٍ وتغريب عامٍ ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " (1) .
مثل من بيان السنة للقرآن :قال الله تعالى : " وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ " ولكنه لم يبين عدد الصلوات ولا كيفيتها ولا أوقاتها ولا فرائضها من واجباتها من سننها فجاءت السنة المحمدية فبينت كل ذلك ، وكذلك لم يبين متى تجب الزكاة ؟ وأنصبتها ومقدار ما يخرج فيها وفى أى شىء تجب ؟ فجاءت السنة فبينت كل ذلك .
وكذلك قال الله تعالى : " وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " ولم يبين ما هى السرقة ؟ وما النصاب الذى يحد فيه السارق ؟ وما المراد بالأيدى فبينت السنة كل ذلك .
وقال الله تعالى " إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " ولم يبين الحد فجاءت السنة فبينته .
وقال الله تعالى : " الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ " ولم يبين لمن هذا الحكم فبينت السنة أن هذا الحكم للزانى غير المحصن أما المحصن فحده الرجم .
وقال تعالى : " وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ .. " ولم يبين قصتهم وجنايتهم فجاءت السنة فبينت قصتهم غاية البيان ، إلى غير ذلك من المثل الكثيرة التى تفوق الحصر ، والتى لولا بيان السنة لها لاستعجم علينا القرآن ، وتعذر فهمه وتدبره ، وقد كان الصحابة من جاء بعدهم يعلمون هذه الحقيقة .
روى ابن المبارك عن عمران بن حصين أنه قال لرجل : " إنك رجل أحمق أتجد الظهر فى كتاب الله أربعاً لا يجهر فيها بالقراءة ، ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا ، ثم قال : أـجده فى كتاب الله مفسراً ؟ إن كتاب الله أبهم هذا وإن السنة تفسره " .
وروى الأوزاعى عن حسان بن عطية قال : كان الوحى ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحضره " جبريل " بالسنة التى تفسر ذلك .
وعن مكحول قال : " القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن " .
استقلال السنة بالتشريع :
وقد تستقل السنة بالتشريع أحياناً وذلك كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها ، وتحريم سائر القرابات من الرضاعة - عدا ما نص عليه القرآن - إلحاقاً لهن بالمحرمات من النسب ، وتحريم كل ذى ناب من السباع ومخلب من الطير ، وتحليل ميتة البحر ، والقضاء باليمين مع الشاهد إلى غير ذلك من الأحكام التى زادتها السنة عن الكتاب (2) .
حجية السنة :
وقد اتفق العلماء الذين يعتد بهم على حجية السنة ، سواء منها ما كان على سبيل البيان أو على سبيل الاستقلال ، قال الإمام الشوكانى : " إن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية ، ولا يخالف فى ذلك إلا من لا حظ له فى الإسلام " (3) .
وصدق " الشوكانى " فإنه لم يخالف فى الاحتجاج بالسنة إلا الخوارج والروافض ، فقد تمسكوا بظاهر القرآن وأهملوا السنن ، فضلوا وأضلوا ، وحادوا عن الصراط المستقيم .
وقد استفاض القرآن والسنة الصحيحة الثابتة بحجية كل ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى : " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ " ( آل عمران : 31 ) ، وقال : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ " . ( النساء : 59 )
قال ميمون بن مهران : الرد إلى الله هو الرجوع إلى كتابه ، والرد إلى الرسول هو الرجوع إليه فى حياته وإلى سنته بعد وفاته .
وقال سبحانه : " فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " ( النساء : 65 ) ، وما قضى به النبى صلى الله عليه وسلم يشمل ما كان بقرآن أو بسنة ، وقد دلت الآية على أنه لا يكفى فى قبول ما جاء فى القرآن والسنة الإذعان الظاهرى بل لا بد من الاطمئنان والرضا القلبى .
وقال : " مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ " ( النساء : 80 ) ، فقد جعل سبحانه وتعالى طاعة الرسول من طاعته ، وحذر من مخالفته فقال - عز شأنه - : " فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " ( النور : 63 ) ، فلولا أن أمره حجة ولازم لما توعد على مخالفته بالنار .
وقال : " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ" ( الأحزاب : 21 ) وقال سبحانه : " وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا " ( الحشر : 7 ) فقد جعل سبحانه أمر رسوله واجب الاتباع له ، ونهيه واجب الانتهاء عنه .
وأما الأحاديث فكثيرة منها : ما رواه أبو داود (4 ) فى سننه عن المقداد بن معد يكرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا إننى أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان مُتكىء على أريكته يقول : عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ، ألا لا يحل لكم الحِمَارُ الأهِلىّ ، ولا كل ذى ناب من السباع ، ولا لقطة معاهدٍ إلا أن يستغنى عنها صاحبها ، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه ، فإن لم يقروه فعليه أن يعقبهم ( 5) بمثل قراه "
قال الإمام الخطابى :
قوله : " أوتيت الكتاب ومثله معه " يحتمل وجهين :أحدهما : أن معناه أنه أوتى من الوحى الباطن غير المتلو مثل ما أعطى من الظاهر المتلو .
والثانى : أنه أوتى من البيان وحياً يتلى ، وأوتى من البيان مثله أى أذن له أن يبين ما فى الكتاب فيعم ويخص ، ويزيد عليه ويشرح ما فى الكتاب ، فيكون فى وجوب العمل به ولزوم قبوله كالظاهر المتلو من القرآن " .
وقوله : " يوشك رجل شعبانٌ .. " يحذر بهذا القول من مخالفة السنن التى سنها مما ليس له من القرآن ذكر ، على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض فإنهم تمثلوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التى قد ضمنت بيان السنن التى قد ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا ، وأراد بقوله : " متكىء على أريكته " أنه من أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا العلم من مظانه . (6) .
وقد دل الحديث على معجزة للنبى - صلى الله عليه وسلم - فقد ظهرت فئة من القديم والحديث تدعو إلى هذه الدعوة الخبيثة وهى الاكتفاء بالقرآن عن الأحاديث ، وغرضهم هدم نصف الدين أو إن شئت فقل : تقويض الدين كله ، لأنه إذا أهملت الأحاديث والسنن فسيؤدى ذلك - ولا ريب - إلى استعجام كثير من القرآن على الأمة وعدم معرفة المراد منه ، وإذا أهملت الأحاديث واستعجم القرآن فقل : على الإسلام العفاء .
وفى حديث العرباض ابن سارية مرفوعاً : " عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى عضوا عليها بالنواجذ " رواه أبو داود والترمذى وقال : حديث حسن صحيح ( 7 ) .
وروى الحاكم عن ابن عباس رضى الله عنهما ( 8 ) أن النبى صلى الله عليه وسلم خطب فى حجة الوداع فقال : " إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ، ولكن رضى أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أمركم فاحذروا ، إنى تركت ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً : كتاب الله وسنة نبيه " وروى مثله الإمام مالك فى الموطأ .
وهى صريحة فى أن السنة كالكتاب يجب الرجوع إليها فى استنباط الأحكام وقد أجمع الصحابة - رضوان الله عليهم - على الاحتجاج بالسنن والأحاديث والعمل بها ولو لم يكن لها أصل على الخصوص فى القرآن ولم نعلم أحداً خالف ذلك قط فكان الواحد منهم إذا عرض له أمر طلب حكمه فى كتاب الله ، فإن لم يجده طلبه فى السنة ، فإن لم يجده اجتهد فى حدود القرآن والسنة وأصول الشريعة .
وقد وضع لهم النبى صلى الله عليه وسلم هذا الأساس القويم بإقراره لمعاذ حين بعثه إلى اليمن فقد قال له : " بم تقضى إذا عرض لك قضاء ؟ قال : بكتاب الله .
قال : فإن لم تجد قال : بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فإن لم تجد قال : أجتهد رأيى ولا آلو فضرب رسول الله فى صدره وقال : الحمد لله الذى وفق رسول الله لما يرضى الله ورسوله " (9 ) .
وقد فهم الصحابة رجوع جميع ما جاءت به السنة إلى القرآن من قوله تعالى " وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا " .
روى البخارى فى صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال : " لعن الله الواشمات والمستوشمات ، والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله فقالت أم يعقوب : ما هذا ؟ فقال عبد الله : وما لى لا ألعن من لعن رسول الله ، وفى كتاب الله قالت : والله لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته فقال : والله لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه قال الله تعالى : " وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا " .
وهذه الآية تعتبر أصلاً لكل ما جاءت به السنة مما لم يرد له فى القرآن ذكر وعلى هذا الدرب والطريق الواضح من جاء بعد الصحابة من أئمة العلم والدين ، روى عن الإمام الشافعى - رحمه الله تعالى - أنه كان جالساً فى المسجد الحرام يحدث الناس فقال : لا تسألونى عن شىء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله ، فقال رجل : ما تقول فى المحرم إذا قتل الزنبور ؟
فقال : لا شىء عليه ، فقال الرجل : أين هذا من كتاب الله ؟ فقال : " وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا " ثم ذكر إسناداً إلى سيدنا عمر أنه قال للمحرم قتل الزنبور .
وذكر ابن عبد البر فى كتاب العلم له عن عبد الرحمن بن يزيد : أنه رأى محرماً عليه ثيابه ، فقال : ائتنى بآية من كتاب الله تنزع ثيابى ، قال : فقرأ عليه " وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا " .
حديث عرض السنة على القرآن مكذوب :
أما الحديث الذى يرويه القائلون بعدم استقلال السنة بالتشريع ، وهو : " إذا جاءكم عنى حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافق فخذوه وما خالف فاتركوه " فقد بين أئمة الحديث وصيارفته أنه موضوع مختلق على النبى - صلى الله عليه وسلم - وضعته الزنادقة كى يصلوا إلى غرضهم الدنىء من إهمال الأحاديث .
وقد عارض هذا الحديث بعض الأئمة فقالوا : عرضنا هذا الحديث الموضوع على كتاب الله فوجدناه مخالفاً له ، لأنا وجدنا فى كتاب الله " وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا " ووجدنا فيه " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ " ووجدنا فيه " مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ " ( 10 ).
وهكذا نرى أن القرآن الكريم يكذب هذا الحديث ويرده .
وقد حاول بعض المستشرقين وأتباعهم الذين صنعهم الاستعمار على يديه أن يحيوا ما اندرس من هذه الدعوة الخبيثة ، ولكن الله سبحانه قيض لهؤلاء فى الحديث - كما قيض لأسلافهم فى القديم - من وضع الحق فى نصابه ، ورد كيدهم فى نحورهم " وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ " .
عناية الصحابة بالأحاديث والسنن :
ولمكانة السنة من الدين ، ومنزلتها من القرآن الكريم عنى الصحابة بالأحاديث النبوية عناية فائقة ، وحرصوا عليها حرصهم على القرآن ، فحفظوها بلفظها أو بمعناها وفهموها ، وعرفوا مغازيها ومراميها بسليقتهم وفطرتهم العربية ، وبما كانوا يسمعونه من أقوال النبى صلى الله عليه وسلم ، وما كانوا يشاهدون من أفعاله وأحواله ، وما كانوا يعلمونه من الظروف والملابسات التى قيلت فيها هذه الأحاديث ، وما كان يشكل عليهم منها ولا يدركون المراد منه يسألون عنه الرسول صلى الله عليه وسلم .
وقد بلغ من حرصهم على سماع الوحى والسنن من رسول الله أنهم كانوا يتناوبون فى هذا السماع ، روى البخارى فى صحيحه عن عمر - رضى الله عنه - قال : " كنت أنا وجار لى من الأنصار فى بنى أمية بن زيد ، وهى من عوالى المدينة ، وكنا نتناوب النزول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينزل يوماً وأنزل يوماً فإذا نزلت جئته بخير ذلك اليوم من الوحى وغيره ، وإذا نزل فعل مثل ذلك .. " الحديث .
وبذلك جمعوا بين خيرى الدين والدنيا ، فما شغلهم دينهم عن دنياهم ولا شغلتهم دنياهم عن دينهم .
وإذا علمنا أن القرآن والسنة استفاضا ببيان فضل العلم والعلماء ، وأن الصحابة كانوا يعلمون أن السنة هى الأصل الثانى للدين ، وأنهم كانوا يحبون رسول الله أكثر من حبهم لأنفسهم ، وأنهم كانوا يجدون فى الاستماع إليه لذة وروحاً ، وأنهم كانوا يعتقدون أنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى ، وأنهم كانوا يجدون فيما يسمعونه منه غذاء الإيمان وزاد التقوى ، وأنه سبيل إلى الجنة .
إذا علمنا كل هذا أدركنا مبلغ حرص الصحابة على استماع السنن والأحاديث وأن ذلك أمر يكاد يكون من المسلمات وكذلك عنوا بتبليغ السنن لأنهم يعلمون أنها دينٌ واجبة البلاغ للناس كافة ، وكثيراً ما كان النبى - صلوات الله وسلامه عليه - يحضهم على الأداء لغيرهم بمثل قوله : " نضر الله امرأ سمع مقالتى فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع " وفى رواية بلفظ " فرب حامل فقهٍ غير فقيهٍ ، ورب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه " رواه الشافعى والبيهقى فى المدخل ( 11 ) .
وفى خطبته المشهورة فى حجة الوداع قال : " ليبلغ الشاهد الغائب ، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه " رواه البخارى فى صحيحه .
--------------
(1) أخذ بظاهر الحديث بعض الفقهاء ، وذهب إلى نسخ التعريب فى البكر والجلد فى الثيب آخرون .
(2) مقدمة تفسير القرطبى ج1 ص 37 - 39 .
(3) إرشاد الفحول ص 29 .
(4) صحيح . رواه أحمد وأبو داود ، والدارمى بنحوه ، وله شواهد من حديث أبى هريرة وأبى رافع والعرباض بن سارية .
(5) روى مشدداً ومخففاً من المعاقبة أى يأخذ من أموالهم قراه .
(6) تفسير القرطبى ج1 ص 38 .
(7) صحيح . أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجه وأحمد والدارمى وغيرهم .
(8) حسن . فله شاهد من حديث أبى هريرة عند أحمد وغيره ، وانظر صحيح الترغيب ( رقم 36 ) ، والصحيحة ( رقم 472 ) .
(9) منكر ضعيف . أخرجه الطيالسى وأحمد وأبو داود والترمذى وغيرهم ، وانظر الضعيفة ( رقم 881 ).
(10) إرشاد الفحول ص 29 .(11) صحيح . أخرجه أحمد وابن ماجه عن أنس ، وأحمد والترمذى وابن حبان عن ابن مسعود ، والترمذى وابن حبان عن زيد بن ثابت وغيرهم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق